أخبار
الرئيسية » التعليم العالي » واقع النشر العلمي في الجامعات السعودية

واقع النشر العلمي في الجامعات السعودية


مرَّت الجامعات السعودية خلال العقدين الماضيين بفترات ركود وضَعْف في العمل البحثي والنشر العلمي الدولي المميز، إلا أنه في عام 2008م تضاعفت أعداد أبحاث الجامعات بشكل واضح وقوي. فالحراك العلمي الحالي والاهتمام والدعم الحكومي ومن القطاع الخاص بالبحث العلمي، خاصة في السنوات الأخيرة، كانت حافزة لجميع أعضاء هيئة التدريس النشطين في معظم الجامعات السعودية (وبدرجات متفاوتة) للنشر وبكثافة في المجلات المتميزة، حتى ومن لم ينشر سابقاً في مجلات علمية مدرجة في فهارس قواعد بيانات أي إس أي ISI (معهد المعلومات العلمية، ثومسون- رويترز) بدأ ينتج، ومن كان إنتاجه العلمي ضعيفاً ازداد وتضاعف نشاطه وتركيزه.
بصورة عامة ازداد وتضاعف النشر العلمي بأنواعه في أي إس أي لجامعة الملك سعود مرات عدة من 455 بحثاً في 2007م إلى 2500 بحث بنهاية 2011م (منها 2245 ورقة علمية)، وجامعة الملك عبدالعزيز من 142 بحثاً في 2007م إلى 862 بحثاً، وجامعة الملك فهد من 493 إلى 667 بحثاً، وجامعة الطائف من 11 بحثاً فقط إلى 217، وجامعات القصيم وطيبة وأم القرى من الـ30 بحثاً لكل جامعة إلى أكثر من 100 بحث.
ويُعزى ذلك إلى زيادة متوسط عدد الأبحاث للباحثين النشطين بالجامعات السعودية، كما يبينه الجدول الآتي بموجب قواعد بيانات أي إس أي بتاريخ 1 ربيع الأول 1433هـ كما هو موضح بالجدول.
وبالمقارنة مع باحثين دوليين فقد نشر الباحث كيم ج عام 2010م من جامعة سيئول الوطنية 359 بحثاً، ونشر كيم س 281 بحثاً ونشر لي ب 277 بحثاً، ومن العام نفسه نشر سوزوكي 137 بحثاً من جامعة طوكيو، وونج من الجامعة الوطنية السنغافورية 78 بحثاً، ونشر جانجالي من جامعة طهران 70 بحثاً. وكثير من باحثي الجامعات السعودية لم تظهر أبحاثهم فجأة أو وليدة يوم وليلة، بل يملكون تاريخاً بحثياً دولياً ورصيداً تراكمياً موثقاً في أي إس أي، وإن كان بأعداد قليلة ومتفاوتة تتناسب مع ضعف دعم البحث العلمي خلال العقود الماضية. فالرصيد البحثي في أي إس أي كاملاً لكل من يلباس: 337 بحثاً، أبو المعاطي: 312 بحثاً، بدوي 114 بحثاً من جامعة الملك فهد، والرصيد البحثي للعسيري 150 بحثاً، خان 64 بحثاً، الغامدي 58 بحثاً من جامعة الملك عبدالعزيز، والرصيد البحثي لقطان: 201 بحث والرشيد 171 بحثاً والذياب 87 بحثاً من جامعة الملك سعود.
وتعزى الزيادة المطردة في النشر العلمي المميز لأسباب عدة، منها:
1- الزيادة الكبيرة التي أولتها حكومة خادم الحرمين الشريفين الرشيدة لدعم ميزانية البحث العلمي بدءاً من العام 2008م، وجعلها على قمة أولوياتها.
2- إقرار مجلس الوزراء حوافز أعضاء هيئة التدريس السعوديين بالجامعات للنشر في مجلات أي إس أي (فقط دون غيرها) ولبراءات الاختراع والاكتشافات العلمية.
3- إقرار الجامعات مكافآت في التميز البحثي وجودة النشر لأعضاء هيئة التدريس من السعوديين وغير السعوديين.
4- توجه الجامعات نحو ربط جميع مجلات الجامعة ومجلات الجمعيات العلمية التابعة للجامعة مع ناشر دولي (مثل السيفير وسبرنجر)، وبذلك تحوَّلت تلك المجلات من المحلية إلى العالمية، ومنها من أدرج في قوائم مجلات أي إس أي، فتوافرت أوعية نشر أي إس أي أكثر لمنسوبي الجامعات.
5- اتفاق الجامعات مع محررين متخصصين للتدقيق اللغوي والمراجعة العلمية لأبحاث أعضاء هيئة التدريس زادت من فرص نشرها في مجلات أي إس أي ذات معامل التأثير المرتفع.
6- التحالفات الدولية والبرامج التطويرية التي انتهجتها الجامعات زادت من دعم القطاع الخاص والتعاون الدولي الذي ينتج نشراً علمياً مميزاً.
7- إلغاء التعقيدات الإدارية السابقة فيما يخص المشاركة في المؤتمرات وعدم تقنينها، وتسهيل مهمات الاتصال العلمي والتبادل المعرفي.
8- التعاقد مع العديد من الكوادر التدريسية والفنية المتخصصة من خلال برامج الاستقطاب؛ الأمر الذي قلل الأعباء التدريسية لأعضاء هيئة التدريس، وعزز فرص العمل البحثي بالجامعة.
9- تفعيل أكبر لبرامج الشراكة والتوأمة العلمية مع مؤسسات تعليمية وبحثية عالمية وإقليمية ومحلية.
من ناحية أخرى, في بداية القرن العشرين كانت الأبحاث العلمية المنفردة تمثل أكثر من 90 % من مجمل الأبحاث المنشورة، بينما في نهاية القرن العشرين كانت نسبة الأبحاث المشتركة قد ارتفعت لأكثر من 50 في المئة من جميع المنشورات (دوبلر، 2001). وليس هناك شك في أن هذه النسبة في ازدياد بالنظر إلى أن هذا هو الاتجاه العام في النشر الدولي المميز. فالميل لإنتاج المعرفة لتصبح تعاونية على نحو متزايد هو نتيجة حتمية لزيادة تقسيم وجدولة العمل بين الباحثين لجزئيات محددة، وتطور عدد متزايد من المجالات والميادين التخصصية الفرعية؛ وبالتالي يتطلب إجراء ونشر البحوث نوعاً من التكامل بين مختلف قواعد المعرفة، وأكثر الأحيان تناقل المعرفة من شخص لآخر. فلا يقتصر التعاون البحثي على المشاركة بين الباحثين في القسم الواحد، أو الكلية الواحدة أو بين كليات الجامعة الواحدة، بل تمتد، وعلى نحو متزايد، خارج الحرم الجامعي أو عبر الحدود الجغرافية بين الدول. فعلى سبيل المثال لا الحصر، نشرت ورقة علمية واحدة بعنوان (The ATLAS Experiment at the CERN Large Hadron Collider) في المجلة البريطانية (Journal of Instrumentation) في عدد أغسطس 2008م ضمت قائمة المؤلفين 2926 باحثاً مشاركاً من 169 جامعة ومؤسسة بحثية.
ومن الملاحظ أن عدد الأبحاث العلمية المنشورة يزداد مع زيادة عدد المؤلفين المشاركين. ومنطقياً، فإن الباحثين الأكثر إنتاجية هم أولئك الذين يتعاونون أكثر، فالمجاميع العلمية البحثية (سواء محلية أو إقليمية أو دولية) قادرة على إنتاج ونشر أبحاث أكثر مع مدخلات قليلة نسبياً من حيث الوقت والجهد والدعم والمتطلبات (مارتن كاتز، 1997)؛ الأمر الذي سيعزز وصول الباحثين المتميزين إلى عدد أكبر من المتعاونين، وعلى موارد بحثية أكبر، وإلى النجاح في النشر في المجلات المتميزة. فأصبحت مشاركة العديد من الباحثين من مختلف مراكز أبحاث وجامعات العالم بأبحاث مشتركة ومجاميع بحثية عبر القارات منهجاً علمياً ومتطلباً ضرورياً لكثير من الأبحاث، وهذا أدى إلى ارتفاع المتوسط السنوي لعدد الأبحاث المنشورة للباحثين. وقد تكون التخصصات الطبية والإحيائية والعلوم البحتة هي أكثر التخصصات كثافة في النشر العلمي، خاصة مع تطور تقنية الاتصال والأجهزة الحديثة والتعاون العلمي الدولي المشترك.
يتشارك العديد من الباحثين ومراكز الأبحاث في الجامعات وغيرها في إجراء الدراسات والأبحاث العلمية، وتختلف المساهمة في البحوث المشتركة، فقد تكون المشاركة في توفير الباحثين المتخصصين أو التمويل أو إجراء التجارب المعملية أو تحليل النتائج أو إعداد ونشر الدراسات، إلا إن الجميع يلتزم بمعايير بروتوكول فانكوفر لنشر الأوراق العلمية المشتركة (Vancouver Protocol) (المنبثق من اللجنة الدولية لمحرري المجلات الطبية ومجلس محرري العلوم بأمريكا 2006م (ICMJE)، ويطبق الآن بتصرف في جميع التخصصات في معظم الجامعات في العالم)، الذي ينظم ذكر اسم الجهات أو الباحثين المشاركين في الأوراق العلمية المنشورة والناتجة من تلك الدراسات، حيث يحدد البروتوكول شروط تأهل ذكر اسم الجهة أو الباحث بأن يكون قد ساهم في إحدى مراحل البحث منذ بداية تكون فكرة البحث حتى نهاية قبوله لعرضه ملصقاً في مؤتمر أو ورقة علمية منشورة في مجلة علمية أو براءة اختراع مسجلة، وغالباً تذكر المساهمة في المحتوى الفكري للبحث (intellectual content) حيث تشترطه المجلات العلمية الدولية. وهذه المراحل عادة ما تشمل:
- ابتكار أو صياغة فكرة أو تصور البحث.
- تصميم البحث والمسح المرجعي.
- إجراء التجارب للحصول على النتائج والبيانات.
- تحليل النتائج والبيانات ضمن النسق العلمي.
- تفسير ومناقشة النتائج علمياً.
- الإشراف على البحث.
- التعامل مع تمويل متطلبات البحث أو توفير تجهيزاته.
- تصميم وتكوين الورقة العلمية.
- المساهمة في كتابة الورقة أو مراجعتها أو تدقيقها علمياً أو الإضافة العلمية من الخبرة العلمية والعملية.
- إقرار الورقة العلمية بصورتها النهائية قبل النشر وتحمل مسؤولية محتواها ما بعد النشر.
أما (قواعد ترتيب المؤلفين في نتائج البحث فتختلف وفقاً لمجال التخصص؛ فقد تعكس درجة المساهمة في البحث، أو الأقدمية أو الإشراف على البحث (ينطبق على الإشراف على أبحاث رسائل الماجستير والدكتوراه) أو الترتيب الأبجدي (ينطبق عموماً على المشاريع مع عدد كبير من الباحثين)، وجميعها مقبولة على المستوى الدولي والأكاديمي).
وبالرغم مما سبق ذكره، لا يزال الرصيد التراكمي حتى تاريخ اليوم لأبحاث جامعاتنا السعودية ضئيلاً مقارنة بجامعات دولية رائدة؛ فالرصيد التراكمي في أي إس أي لأبحاث جامعة الملك سعود: 22 ألف بحث، وجامعة الملك فهد: 13 ألف بحث، وجامعة الملك عبدالعزيز: ستة آلاف بحث، وجامعة الملك خالد: 2690 بحثاً، وجامعة الملك فيصل: 1760 بحثاً. بينما الرصيد التراكمي لأبحاث جامعة هارفارد 320 ألف بحث، وستانفورد 230 ألف بحث، وكامبريدج 179 ألف بحث، وإم أي تي 164 ألف بحث، وأكسفورد 153 ألف بحث. أما الجامعات الآسيوية: جامعة طوكيو أكثر من 240 ألف بحث، وجامعة سيئول الوطنية: 120 ألف بحث، والجامعة الوطنية السنغافورية: 83 ألف بحث، وجامعة طهران 45 ألف بحث، وجامعة إسطنبول 25 ألف بحث. ومن باب المقارنة فقط، الجامعة العبرية في القدس لديها أكثر من 60 ألف بحث.
وجميع تلك الجامعات الرائدة تنتهج التعاون الدولي بين الباحثين، الذي يثبته الانتماء المزدوج للباحثين الذي يظهر مردوده على نوعية وجودة وكثافة الأبحاث والنشر العلمي المميز، خاصة في مجالات العلوم والطب؛ الأمر الذي لا يتطلب انتقال الباحثين من جامعات بلادهم ووجودهم في نفسها الجامعة أو الدولة بعقد عمل كلي؛ فعقود العمل الجزئية لأشهر محددة في السنة أو عقود العمل المؤقتة لمشاريع بحثية بعينها هو العرف السائد والمقبول عالمياً. وعلى سبيل المثال لا الحصر، تصرح جامعة أكسفورد بأن 40 % من باحثيها الأساسيين والمتعاونين وأكاديمييها هم من جنسيات غير بريطانية ومن 100 دولة، بغرض تكثيف الأبحاث الدولية المشتركة، ونشروا ما نسبته 14.2 % من أبحاث عام 2010م بصفة الانتماء المزدوج لجامعة أكسفورد، بغض النظر عن أن باحثيها المتعاونين يعملون رسمياً في جامعات أخرى. وكذلك جامعة هارفارد (29.5 %) والجامعة الوطنية الأسترالية (46.5 %) وجامعة ستوكهولم (32.0 %) وجامعة موناش (46.1 %)، كما أن جامعة ساوثهمبتن نشر باحثوها بانتماء مزدوج ما نسبته أكثر من 20 %، والجامعة الوطنية السنغافورية نشرت ما نسبته 14.6 % بصفة الانتماء المزدوج.
وبالنظر الفاحص إلى هذه الإحصائيات والأرقام نجد أن عدد الأبحاث التي ينشرها أعضاء هيئة التدريس بجامعاتنا ونسبة الباحثين الدوليين العاملين والمتعاونين في الجامعات السعودية مقارنة بالجامعات الدولية الرائدة لا تزال متواضعة وضئيلة، وتستلزم العمل الجاد على زيادتها وتطويرها (باستثناء جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية، التي تنتهج الاستقطاب والتعاون الدولي أساساً منهجياً لعملها)، ويعزز الاستقطاب والاختيار الدقيق للباحثين الدوليين من ذوي المستوى الرفيع أكاديمياً وبحثياً، وفي شتى التخصصات حراكاً بحثياً، وإعطاء الباحثين وطلاب الدراسات العليا في الجامعات السعودية فرص الاحتكاك مع الباحثين الدوليين المتميزين، كما أن الشراكات البحثية الدولية تعزز روح المنافسة بين الباحثين السعوديين من أجل تحقيق السبق العلمي ومواكبة التطور العلمي والتقني العالمي في مجالات تخصصاتهم؛ الأمر الذي سيبني قاعدة بحثية رصينة، تنتج أبحاثاً ذات جودة علمية عالية، كمًّا ونوعاً، يعود أثرها على مخرجات الجامعة البحثية والأكاديمية.
- د. عبدالحكيم بن عبدالمحسن أبابطين / وكيل كلية العلوم للتطوير والجودة جامعة الملك سعود – المملكة العربية السعودية

http://www.al-jazirah.com/20120304/cu1.htm

506 total views, 7 views today

التعليقات مغلقة