Skip to main content

تاريخ تدريس تخصص العمارة

د. جميل عابد
By: د. جميل عابد
Published on: منذ 51 دقيقة

تخصص العمارة من أقدم التخصصات التي ارتبطت بتطور الحضارات الإنسانية، إلا أن تدريس العمارة بوصفه مجالًا أكاديميًا منظمًا مر بتحولاتٍ عميقة تعكس تغير فهم المجتمع لدور المعماري، من بناءٍ وحرفي إلى مفكرٍ ومصمم وصانع قرار حضري. ويكشف تتبع تاريخ تعليم العمارة عن تطور معرفي وثقافي وتقني متدرج، تداخلت فيه الفلسفة، والفنون، والعلوم، والممارسة المهنية. ولأجله أسرد تسلس مختصر لذلك، يبدأ بالعمارة قبل التعليم المنهجي، والتي اتضحت في العصور القديمة، لم يكن تعليم العمارة يتم عبر مؤسساتٍ تعليمية رسمية، بل كان ينقل من خلال نظام التلمذة المهنية بشكلٍ رئيسي. حيث كان التعلم من خلال الممارسة المباشرة، ويتضح أن المعرفة تعتمد على الخبرة المتراكمة، والنماذج السابقة، والتقاليد المتوارثة. وقد تجلى هذا النمط المباشرة، للعمارة الرومانية، حيث جمعت المعرفة العملية مع مبادئ هندسية موثقة، كما في كتابات فيتروفيوس التي شكلت لاحقًا مرجعًا نظريًا أساسيًا. ثم انتقالًا الى عصر النهضة وبداية التنظير الأكاديمي، والتي شكلت نقطة تحول جوهرية في تاريخ تعليم العمارة، إذ بدأت العمارة تدرس بوصفها فنًا وعلمًا. ظهر المعماري المثقف القادر على الجمع بين الرسم، والهندسة، والفلسفة، والنسب الجمالية. وقد ساهمت الأكاديميات الفنية في إيطاليا، مثل أكاديمية فلورنسا، في ترسيخ التعليم النظري للعمارة، مع التركيز على دراسة العمارة الكلاسيكية، والمنظور، والتكوين. هنا انتقلت العمارة من المعرفة الضمنية إلى المعرفة المكتوبة والمدرسة.

بعد ذلك، الأكاديميات الأوروبية: التأسيس المؤسسي وكانت في القرنين السابع عشر والثامن عشر حيث تأسس تعليم العمارة بشكلٍ مؤسسي واضح، لا سيما مع إنشاء الأكاديمية الملكية للعمارة في فرنسا، ولاحقًا مدرسة الفنون الجميلة. اعتمد هذا النموذج على التعليم القائم على الاستوديو، والمسابقات التصميمية، والتحليل التاريخي، مما أسس لفكرة المنهج المعماري. وقد انتشر هذا النموذج عالميًا، مؤثرًا في بنية تعليم العمارة في أوروبا وأمريكا، مع تركيزٍ قوي على الشكل، والتمثيل، والمرجعيات الكلاسيكية. ثم انتقلنا إلى مرحلة الثورة الصناعية والتحول نحو التقنية، والذي أعاد تعريف دور المعماري، وبالتالي أساليب تدريسه. ظهرت الحاجة إلى فهم المواد الجديدة، والإنشاء، والتقنيات الحديثة، مما دفع المؤسسات التعليمية إلى دمج العلوم الهندسية في مناهج العمارة. في هذا السياق، مثلت مدرسة الباوهاوس في ألمانيا تحولًا جذريًا، حيث دعت إلى توحيد الفن، والتقنية، والصناعة، وأسست لفكرٍ تعليمي حديث يربط التصميم بالواقع الاجتماعي والاقتصادي.

ثم الانتقال الى القرن العشرون وتنوع المدارس والنظريات والتي أصبح بها تعدد في مدارس تعليم العمارة، بين الحداثة، وما بعد الحداثة، والنقد الإقليمي، والعمارة المستدامة، وغيرها. تطورت مناهج التدريس لتشمل البحث، والنظرية، والتخطيط الحضري، والبعد الإنساني. كما أصبح الاستوديو المعماري مساحة للتجريب النقدي، وليس فقط لإنتاج شكلٍ معماري. وأخيرًا العمارة المعاصرة والتي يدرس تخصص العمارة ضمن إطارٍ معرفي متعدد التخصصات، يشمل الاستدامة، والتكنولوجيا الرقمية، والذكاء الاصطناعي، والصحة، والبعد الاجتماعي. لم يعد المعماري مجرد مصمم مبان، بل مفكرًا إستراتيجيًا قادرًا على التعامل مع تحديات المناخ، والمدينة، والمجتمع. ويعكس تعليم العمارة المعاصر هذا التحول من خلال مناهج مرنة، وبحثية، قائمة على حل المشكلات الواقعية.

إن تاريخ تدريس العمارة هو مرآة لتطور فهم الإنسان للبيئة المبنية ودور المعماري فيها. ومن خلال الانتقال من الحرفة إلى الأكاديمية، ومن الشكل إلى المعنى، ومن الفرد إلى المجتمع، ويتوجب أن يستمر تعليم العمارة في التطور ليواكب المتغيرات وهذا يجعلني أتركم بسؤالٍ في ذهني: مع الثورة الصناعية الرابعة، الجيل الجديد، متطلبات السوق المتسارعة، الذكاء الصناعي، تعدد منهجيات التعليم، أسلوب التعليم وأخيرًا الالتزام بالاعتماد الأكاديمي والمؤسسي مع الاخذ بعين الاعتبار مؤشرات الأداء المحلية والعالمية. أين نحن في تدريس العمارة؟ هل نحتاج قفزة غير مسبوقة تعكس تعقيدات العالم المعاصر وتحاكي ما توصلنا اليه، محافظًا في الوقت ذاته على جذور التاريخية للتخصص، التوسع، الأهداف، والعمق الحديث للتخصص العمارة.

 

د. جميل عابد 

أستاذ مشارك – قسم العمارة وعلوم البناء

كلية العمارة والتخطيط

jbinabid@ksu.edu.sa