إسهامات علماء المسلمين في الكيمياء

قد يتجاهل البعض دور العلماء المسلمين والعرب في العصور الذهبية كما يُطلَق عليها في كتب التاريخ، والممتدة ما بين القرنين الثامن إلى الثالث عشر الميلادي، لا سيّما وأن هناك الكثير من الخفايا التاريخية التي أجحفت حق بعض الثروات العلمية الإسلامية، فلم تكن «الخيمياء» على وجه الخصوص في العصور الإغريقية والرومانية والفرعونية علما قائماً بذاته أو ذا منهجية واضحة، بل كان الاعتقاد السائد أنها مجرد خرافات تتعلّق بالسحر وخلق معجزات مزعومة حول الثراء والجمال والشباب الدائم.

ورغم ذلك الجهل البدائي إلا أن شغف المسلمين للتقصّي استهواهم للبحث عن الحقيقة في تلك الكتب القديمة وترجمة فلسفاتها بُغيَة الوصول لتلك الأهداف أيضاً، ومرةً تلو أخرى استطاعوا اكتشاف مواد جديدة ولو بالمُصادفة أحيانًا، لم يسبقهم إليها أحد ووضعوا قوانين عدة حكمت تلك التجارب، حتى تم تحويل «الخيمياء» إلى «الكيمياء» وتأطيرها كعلم مستقل جديد خال من الأوهام، وأضفوا عليه طابع الأصالة العلميّة.

جابر بن حيّان «722 – 804م»، مثلاً يُعد بلا منازع المؤسس الأول لعلم الكيمياء، حيث أدخل التجربة العلمية القائمة على إشراك العقل والحس معًا من خلال الارتكاز على التجربة ودقة الملاحظة والتدوين، وخصص مختبرًا كيميائيًا في الكوفة تحت الأرض للتحكم بدرجات الحرارة ومده بالأجهزة المخبرية المختلفة كالقوارير والأقماع والأنابيب وأجهزة التقطير وأدوات السحق والطحن وغيرها.

ولم يكتف بذلك بل أنشأ مدرسة كيميائية تتلمذ على يديه ثلة من العلماء. ومن المعروف أن تاريخ جابر بن حيان زاخر بالإنجازات، منها تمكّنه من صناعة الورق غير قابل للاحتراق، واكتشافه لبعض الأحماض الهامة كالنيتريك والهيدروكلوريك والكبريتيك، بالإضافة لتحسين وتطوير عمليات التقطير والتبلور والتكلس والتبخير والتسامي والانصهار وغيرها من الطرق.

وقد لقب ابن حيان بـ«أبو الكيمياء» وألف أكثر من ثلاثة آلاف كتاب تشمل الكيمياء والفلك والرياضيات والموسيقى والطب، وفقد بعضها للأسف وكان مصيره الفناء والبعض الآخر تُرجم للاتينية وأصبحت كقاعدة معلوماتية للكيمياء على مر العصور.

وتبعه أبو بكر الرازي «865م – 925م» الذي يُعد أول من اهتم بربط الكيمياء بالطب ودراسة الشفاء من الأمراض من خلال التفاعلات الكيميائية للعلاج داخل جسم المصاب، وركز هو الآخر على التجربة والملاحظة والاستقراء، وأدخل تجاربه العلميّة إلى عالم الطب والتي فتحت فيما بعد مجال علم العقاقير. كذلك استخرج الكحول عن طريق عملية التقطير لمواد نشويّة متخمّرة لغرض تحضير الأدويّة والّتي ماتزال هذه الطريقة تُستخدَم حتى الآن لاستخراج الكحول بشكل صناعي، بالإضافة لإتقانه عمليات التملغم والتشميع والتحليل والتقطير والتبلوّر.

ومن علماء المسلمين في الكيمياء كذلك أبو قاسم المجريطي الذي نُسبت قاعدة بقاء المادة التي أجراها بعد تجارب عدّة إلى لافوازييه وبروسلي، وعز الدين الجلدكيّ صاحب فكرة النسب الثابتة التي نُسبت فيما بعد إلى جوزيف لويس بريست المعروف.

ومن أهم الاكتشافات العظيمة التي يجدر الإشارة إليها أنّ العلماء المسلمين هم أول من اخترع بارود المدافع إلى جانب صنع الفولاذ وصقل المعادن، وحضّروا الماء الملكيّ مُذيب الذهب ونترات الفضة وكلوريد الزئبق وأكسيد الزئبق وكربونات الصوديوم وكبريتيد الحديد والزرنيخ والقلويات، واهتموا أيضًا بصناعة الأدوية والعقاقير والعطور والصابون والورق والحرير ودبغ الجلود والأصباغ.

 

هدى بنت عبدالله الطريّف

ماجستير في تقنية النانو

 

 

مخطوطة عربية قديمة تبيّن عملية التقطير في أحد كتب الكيمياء © المكتبة البريطانية - لندن

0
قم بتقييم هذا المحتوى

إضافة تعليق جديد

Image CAPTCHA