الجودة والاعتماد الأكاديمي .. بين الشكليات والأهداف

ليس هدف هذا المقال التقليل مما تقوم به الجامعات من جهد حيال الحصول على الاعتماد الأكاديمي، وإنما الوقوف على بعض النقاط والتأكيد على مكامن الخلل سواء في استيعاب المقصود والغاية من هذه العملية أو في الآليات المتبعة.

فلقد أخذت هيئة الاعتماد الوطنية على عاتقها مهمة بالغة الأهمية ومن ثم الخطورة في مسيرة التعليم العالي، وبذلت جهودا مقدرة للتعريف بهذا المفهوم الجديد لنا في الجامعات، وإن كنا نطبقه بدرجة أو بأخرى لكن دون تأصيل.

إن الهدف من هذه العملية كلها هو ضمان تحقيق جودة مستدامة في التعليم العالي، وذلك من حيث التدريس والبحث وخدمة المجتمع؛ أي أن القسم الأكاديمي لديه آلية منظمة وواضحة لضبط الجودة على الدوام، وهذه الآلية تقتضي توفر بيئة داعمة تؤمن قولا وفعلا بأهمية ضبط الجودة.

هذا يعني أن العمل في القسم الأكاديمي عمل منظم يلتزم بمعايير قابلة للقياس ومن ثم المقارنة، وهذه المقارنة هي المحك للحكم على مدى التزام العمل بالمعايير من جهة والالتزام بالأهداف التي يريد القسم تحقيقها من جهة أخرى، كما ذكرها القسم نصا في استراتيجيته، وهذا يعني أن هناك آليات لجمع البيانات وتدقيقها واستخراج المؤشرات منها، ويمكن الوقوف عليها لاتخاذ ما يمكن من إجراءات تحسينية في الوقت المناسب.

والآن، هل تعبئة تقارير المقررات مثلا هو الهدف من الجودة؟ لا، بل هي خطوة من خطوات التأكد من جودة التدريس وفقا لمعايير خاصة بأهداف البرنامج الدراسي والمقرر، وعليه هل يوجد تحقق من أن المقرر (من خلال التوصيف والتقرير) تم تقديمه وفقا لهذه الأهداف؟ هل يوجد مسؤول (منسق المقرر) معني وذو صلاحية بالاطلاع على تفاصيل أخرى تخص تقديم المقرر من حيث أهدافه وموضوعاته وأسئلته ومدى اتساقها مع أهداف البرنامج؟

هذا مثال فقط، يبين أن المطلوب فعلا هو آليات قائمة تضمن تحقيق الجودة، وليس عملية ملء جداول ونماذج وبيانات يمكن رفعها ربما كيفما اتفق لجهة الاعتماد الوطنية.

الواقع يقول إنه ليس لدينا هذه الآليات، وهنا أشير وأشيد بجهد وكالة الجودة في كلية الآداب خلال العام الدراسي الماضي، إذ قامت الوكالة بتوفير آلية تحقق الكثير من هذه الآليات، وتمثلت في لجان مقترحة صيغت باحترافية مرتبطة بشكل رئيس بمعايير الجودة، لم تطبق بعد أو هي في طريقها للتطبيق، ولعله من المهم أن تطلع وكالة الجامعة للتطوير والجودة على هذه الآلية فتعممها وربما تطورها، فهذه اللجان في الحقيقة هي ذات اللجان التي يجب أن تكون بصفة دائمة وهي المعنية بتطبيق الجودة.

هل هذا كاف؟ لا ليس تماما، فهناك مجالات أخرى لابد من النظر إليها، منها ما يتعلق مثلا بصلاحيات معينة داعمة لعملية ضبط الجودة، وأنا واثق أن وكالة الجامعة للتطوير والجودة قادرة بعون الله إن أرادت على الوقوف عليها بشفافية وتوازن.

والآن تخيلوا هذا السيناريو: إذا قام قسم ما بتعبئة نماذج الهيئة الوطنية للجودة والاعتماد، ثم جاء محكمون وفحصوا والتقوا بمن يريدون، ثم بينوا بعض الملاحظات، ثم بعد فترة جاء الاعتماد لهذا القسم، فإذا كان هؤلاء المحكمون يعلمون تماما أن المقرر ليس له منسق مثلا، وأن البحث العلمي عليه ما عليه، وأن –وهذا الأهم- ليس هناك آلية قائمة لضبط الجودة، فهل يثق أو يصدق هذا القسم أنه حقق الهدف الأسمى من الجودة؟ الإجابة، ليست عندي.

ثم بكلمة أخرى، هل لو أتينا بجهة خارجية أيضا و«دمغت» القسم بختم الاعتماد، فهل هذه الجهة تدرك إشكالات معينة في جامعاتنا لا يمكن معها الحصول على اعتماد وفق «معايير» هذه الجهة نفسها؟ نحن نعرف الإجابة.

لا يمكن أن نقول إن ما نفعله (قبل نماذج الهيئة) كان عبثا، ويشهد على ذلك قبول طلبتنا في أي جامعة عالمية، لكن النقطة التي نريد أن تصل هي تحقيق الهدف الأسمى من أي إجراء تنظيمي للعمل.

ولعلي بعد هذا أشير وأشيد بتجربة كلية الطب في ضبط الجودة من خلال آلية معروفة لديهم وهي لجنة التعليم، وهي لجنة معنية بضبط أهم عملية وهي التدريس، إذ فيها تطبيق فعلي لمفهوم ومتطلب ضبط جودة التدريس، وتكمن أهمية هذه اللجنة بكل بساطة في ضبط ما تقدمه الجامعة من تعليم وتدريب طبي، محوره مصلحة الطالب، ومن ثم الوثوق في معارفه ومهاراته.

بقي أن أختم بالتأكيد على أهمية النظر في هذه القضية بشفافية من قبل الهيئة الوطنية للجودة والاعتماد الأكاديمي أولا، والجامعات ثانيا، فالاعتماد يعني أن هناك آليات متوفرة فعلا لضبط الجودة، فما نريده في التعليم العالي أولا هو ضبط الجودة، والاعتماد تحصيل حاصل، تماما مثل رؤية الجامعات العالمية حيال التصنيف؛ فالتصنيف ليس هو الهدف وإنما الجودة وآلياتها مطبقة.

وأخيرا، إن نُظر إلى هذا المقال على أنه حديث لملء فراغ في وسيلة إعلامية، فلا أعتقد أننا في وضع يسمح لنا بالحديث عن التطوير الحقيقي ولا حتى الحديث عن رؤية الدولة تجاه التطوير، اللهم إني بلغت، والله من وراء القصد.

أ.د. علي معاضه الغامدي

0
قم بتقييم هذا المحتوى

إضافة تعليق جديد

Image CAPTCHA