ملامح المقالة النقدية الرصينة

 

من المسائل التي تؤرق الطالب وتحيره في بداية رحلته للدراسات العليا هي كيفية كتابة مقالة «essay» تناقش بشكل نقدي موضوعاً معيناً أو دراسة منشورة، وأسعى من خلال هذا المقال لطرح بعض النقاط الموجزة التي قد تفيد الطالب قبل البدء بكتابة أي مقالة.

تعتبر المناقشة النَّقدية أكبر بكثير من أن تقتصر على البحث عن اقتباسات ومعلومات من مصادر مختلفة حول الموضوع؛ لتتحول وكأنها أسلوب وصفي أراد الطالب إثبات أنه قرأ بشكل أوسع بدلاً من قراءته بشكلٍ أعمق.

كتابة الـ«essay» الذي يتطلب مناقشة نقدية «Critically discussion, evaluation, …etc» لا يعني أن يكون ذلك مختزلاً فقط على تقصِّي مواضع الضعف والخلل للدراسة المستهدفة، بل بشكل أوسع، يجب أن يكون الـ«essay» مخاطباً ركنَين أساسيين: ركن البحث عن مواضع القوى وركن البحث عن مواضع الضعف.

فإعداد مقالة نقدية رصينة ذات عمق في التحليل والنقاش – ينال الطالب من خلالها درجة عالية بإذن الله– يتطلب من الطالب أولاً أن يثبت في المقالة قدرته على التفكير النقدي عن طريق شرح أسباب قبوله أو رفضه لاستنتاجات الدراسة وذلك من خلال الغوص في أعماقها وجذورها بأسلوب يبرز تحليل الطالب الخاص به ليتوصل بعدها إلى استنتاج نهائي شريطة أن يكون ذلك مدعوماً بتبريرات علمية واضحة. 

مثال: دعنا نفترض أن الدراسة التي تود تقييمها بشكل نقدي استنتجت أن طريقة تدريس معينة تساعد متعلمي اللغة الإنجليزية على تحدثها بطلاقة، مثْبَتاً ذلك من خلال توظيف عدة مقاييس في التجربة تقيس الاستخدام العفوي للإنجليزية، التي من ضمنها مقياس يقيس فقط الطلاقة في استخدام قواعد اللغة الإنجليزية.

هنا يمكن أن نتساءل علمياً: هل هذا المقياس فعلاً يقيس مايُفترض أن يقيسه؟ هل ثمة متغيرات في التجربة قد تؤثر على مصداقية هذا المقياس؟ بمعنى آخر، على الطالب أن يكون شكاكاً حول مصداقية المقياس وطريقة توظيفه في التجربة، وذلك من خلال الاطلاع على بعض الجوانب التالية:

Reliability, Validity, Internal Validity, External validity, Objectivity, Systematic Application of method ... etc.

وبمجرد ما يجد الطالب ثَغرة يرى أنها تؤثر على مصداقية المقياس ونتائج التجربة، يجب عليه أن يدعم هذا الادعاء بتبرير وحجة علمية؛ لكي لا يكون هذا الادعاء مقتصراً فقط على وجهة نظر مجردة.

لكن الطالب في بداية مرحلة الدراسات العليا غالباً قد لا يملك خلفية كافية أو أحياناً قد لا يملك أي خلفية عن هذا المقياس «الذي نستخدمه هنا كافتراض» يتمكن من خلالها بناء نقاش علمي عميق لتبرير الادعاءات، لذا أفضل خطوة ينطلق منها الطالب هي القراءة المكثفة جداً في الدراسات السابقة، خاصة المنشورة في المجلات الرصينة، حول مصداقية هذا المقياس، والدراسات التي وَظَّفت هذا المقياس، وكذلك القراءة حول الثَّغرة بشكل عام والتي قد تؤثر على نتائج الدراسة.

فاطلاع الطالب على هذه الدراسات تُكسبه أيضاً ملكة الأسلوب النقدي والترابط المنطقي في الكتابة ليتعرف على ما يجب تضمينه وما لا يجب تضمينه في الـ«essay»، وعلى الطالب أن يتحرى الموضوعية والمنطقية في التحليل والاستنتاج، والابتعاد تماماً عن الاستنقاص - بشكل عام - من أهمية أي منهجية بحثية أو أداة بحثية معينة لجمع البيانات، أو التشكيك في كفاءة الباحث.

وأخيراً، أوصي الطالب قبل تسليم عمله أن يَعرضه على من لديهم خبرة جيدة في المناقشة النقدية، فليس كل ما يدركه عقل الشخص يدركه غيره.

أ. سامي السلمي

@samisulaiman_

0
قم بتقييم هذا المحتوى

إضافة تعليق جديد

Image CAPTCHA