لغتنا فخر وهوية

يتساءل كثيرون: لماذا نفخر بلغتنا العربية؟ وما تأثير فخرنا هذا على واقعنا؟ وما ارتباط لغتنا بهويتنا؟ وكيف يمكن لنا أن نزرع هذا الفخر بأبنائنا والناشئة؟

فأقول وبالله التوفيق: اللغة العربية مرآة الحضارة والتطور والتنمية، وهي ذات وهوية وعز ومجد.

وكما قال الشاعر:

فلا خيرَ في قومٍ تموت لغاتُهم

ولا روحَ في قومٍ بدون لغاتِ

وتتميز اللغة العربية عن غيرها في ثلاثة جوانب: الأول أن لها امتداداً تاريخياً غير موجود لغيرها، الثاني أنها ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالإسلام، يبدأ بالقرآن الكريم، ويمتد للحديث النبوي الشريف والتفسير والفقه والتاريخ، وغير ذلك من جوانب الحياة الإسلامية، الثالث أن لها تراثاً كبيراً لا مثيل له في اللغات الأخرى.

وقد اطلعت على قصة عجيبة، مفادها أن جماعة من العلماء الروس وضعوا النفايات النووية في أماكن بعيدة يتوقع العثور عليها بعد أربعة أو خمسة قرون، فأرادوا أن يكتبوا رسالة للأجيال المستقبلية، فبحثوا وفتشوا واستفتوا أهل الخبرة باللغات لِيعلموا اللغة التي يمكن أن تبقى بعد هذه القرون الطويلة، فلم يجدوا لغة يمكن أن تبقى هذه المدة الطويلة إلا اللغة العربية، فكتبوا رسالتهم باللغة العربية.

وهذه شهادة بأن اللغة العربية لغة المستقبل، وهي فخرنا لأنها لغة الإبداع العربي قبل الإسلام، ولغة الإعجاز الإلهي بعده، واختارها الله -سبحانه وتعالى- لتحمل كلامه العزيز إلى العالم أجمع، وأحد عوامل التقييم العالمي لحيوية اللغة هو موقف أصحابها الأصليين منها، فقد يعدونها ضرورية لمجتمعهم وهويتهم، فيعززونها، ويعنون بها، وقد يخجلون منها، فيمتنعون عن تعزيزها، وقد يتفادون استخدامها.

فعندما تكون تصرفات الأفراد حيال لغتهم إيجابية للغاية، ويعدونها لغة ذات قيمة ثقافية أساسية، وأنها حيوية لمجتمعهم وهويتهم، فإنه يمكن اعتبارها رمزًا كبيرًا من رموز هوية هذه المجموعة.

وعناية المسؤولين وأصحاب القرارات باللغة العربية ودعمها وفرض استعمالها في المؤسسات الحكومية والتعليمية، ومطالبة ترجمة الوثائق الإنجليزية إلى اللغة العربية كشرط لقبولها في الدوائر الحكومية، وهذا حاصل -ولله الحمد- كما في إدارة المرور على سبيل المثال، وغير ذلك من أساليب دعم اللغة العربية والعناية بها، فإن ارتفاع قيمتها يفرض نفسه عالميًّا.

وإن اعتراف منظمة الأمم المتحدة باللغة العربية لغة رسمية سادسة، كان بفضل أبناء هذه اللغة أنفسهم، وليس بفضل ممنوح من المنظمة، وستكون اللغة العربية في يوم من الأيام اللغة الأولى عالميًّا متى ما أراد أصحابها ذلك، فالذي خصَّها لغة لكتابه الكريم، هو أعلم بقدرتها على استيعاب الأفكار والعلوم والمخترعات، وهو أعلم بفضلها وعالميتها.

وهناك ارتباط وثيق بين اللغة والهُوية، فقد أدركت منظمة الصحة العالمية أن اللغة أداة فكر، وأفضل لغة يفكر بها الإنسان هي لغته الأم، فأوصت بأن يُدَرس الطب وعلومه باللغة الأم لكل شعب، ومنظمة اليونسكو كذلك، أوصت بأن يستخدم كل شعب لغته الوطنية في التعليم، مُنَبهة إلى أن العلاقة بين لغة التعليم واللغة الأم هي علاقة رئيسة تتحدد في علاقة الفهم والاستيعاب.

فاللغة العربية ثقافة، وعلم، وأمة، وتاريخ، وحضارة، ودين، فإذا أحبها الفرد حقق هُويته وذاته وانصهر في بوتقتها وبوتقة كل ما يتصل بها، وهكذا كل لغة، مَن أحبها وغلب حبه لها على غيرها من اللغات، تبع عادات تلك اللغة ودينها شيئاً فشيئاً دون شعور منه، وفقد هُويته الأصلية، وأمات الضمير اللغوي لديه، فينبهر بالآخر وبثقافته وينقاد لهم ويقلدهم ويعيش حياتهم، ويَضعف فهمه لكتابه الديني الأصلي، ولتراثه العلمي.

لذلك علينا أن نزرع حب اللغة العربية في نفوس أبنائنا، ويتحقق هذا الأمر بتحفيظهم القرآن الكريم في المقام الأول، وكذلك كان والدي -رحمه الله- الأستاذ الدكتور محمود فجَّال، شيخ نحاة عصره، يوجِّهنا لحفظ ألفية ابن مالك في النحو، فلها دور كبير في ترسيخ اللغة العربية على الألسنة، ولفت أنظار الناشئة لفهم بدائع اللغة ومكنوناتها، ويوجهنا لحفظ الشعر العربي، وقراءة كتب المنفلوطي والرافعي مرات عديدة. وكذلك أُوصي الأساتذة في التخصصات جميعها، والطلاب في المؤسسات التعليمية كافة، أن يتحدثوا بلغة العلم والمعرفة العربية الفصيحة، وأن يعتنوا بتعليم اللغة العربية من خلال المسابقات الخطابية والمشاريع العلمية التي تناسب روح العصر، وأوصي الإعلاميين باستغلال القنوات الفضائية لنشر ثقافة العناية باللغة العربية اليسيرة التي تناسب روح العصر وثقافته.

ولا شك أن تعلُّم اللغات الأجنبية أصبح ضرورة في حياة الشعوب، ولكن يجب أن يكون بالقدر الذي لا تذوب فيه هويتنا في هويات الآخرين، ولا يكون على حساب اللغة العربية الفصحى، بل بتوازن مدروس يتيح تعلم اللغة الأجنبية كلغة معارف حديثة، إلى جانب التفاعل مع مجتمعنا بالعربية الأصيلة.

أ. د. محمد بن محمود فجَّال

السنة التحضيرية

0
قم بتقييم هذا المحتوى

إضافة تعليق جديد

Image CAPTCHA