نِعم البلد الطيب المملكة

 

يتمنى الإنسان العاقل في هذه الحياة الازدياد والتطور في ميدانه العلمي، ويسعى لصقل حصيلته العلمية، ويلتمس كل السبل لبلوغ مكانة علمية يتميز بها بين أقرانه ويختلف بها عن زملائه، وهذا الأمر متأصل في النفوس لكنه ثقيل في القياس.

وطالب العلم في هذا الموقف بين طريقين، إما البقاء والكسل والخمول وإما السعي والبحث والانتقال، فطلاب العلم على اختلاف آرائهم ومقاصدهم، منهم من يفضل البقاء في منزله أو قريته أو بلده ليحقّق هذا المطلب، ومنهم من يرى التغرب عن الأوطان والبلاد باختلاف أوضاعها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، ولا ريب  أن هذه التغيرات مؤثرة في حياة الطلاب العلمية.

وبناء على ما سبق ذكره، كنت في بلدي بعد تخرجي في المرحلة الثانوية مع بعض الطلاب الذين عايشتهم منذ صغري، جمعتنا الصداقة والزمالة في سبيل طلب العلم، وكنّا عزمنا على التغرب عن الوطن طلباً للعلم، وتساءلنا ذات يوم: أي بلد أفضل لتحصيل العلم؟ وكان اتفاقنا على بلد من بلاد العرب، فشاورت والدي وأخبرته بما اتفقنا عليه، فقال: بابني اسمع، البلد الطيّب يخرج نباته بإذن ربّه، والذي خبث لا يخرج إلاّ نكدًا.

من هنا غيّرت رأيي واخترت بلداً آخر غير الذي اتفقت عليه مع أصدقائي، وسعيت إلى تنفيذ ذلك، وكل يعمل على شاكلته، وقبل مغادرة كلّ منا، قلت لزملائي: اسمعوني جيدًا، الأفضل لكم أن تختاروا أرضًا تؤتي أكلها كل حين، فورمت أنوفهم لما سمعوا قولي هذا؛ لأن الوعظ لا ينفع إلا الأذن الصاغية.

كدت أضلّ الطريق لولا اتباعي نصيحة والدي، وذهب كل إلى حيث وفقه الله وحيث يريد، والصداقة والتواصل بيننا مستمر، ولكن لاحظت أن ظروفهم صعبة وبعضهم ندم على اختياره، ولكنهم أسروا الندامة لما رأوا هذا البؤس في المكان الذي أنزلوا حوائجهم فيه، وأنه وادٍ غير ذي زرع، وكلما ناقشتهم فيما تركنا البلد من أجله وهو طلب العلم، شعرت أنهم في وادٍ آخر إلى جانب مشقة في العيش.

هكذا تفعل بهم الظروف ولست على علم دقيق بحالتهم، حتى غضبت عليهم يومًا؛ لأنهم لا يتصلون بي وأنا الذي أتصل، فقالوا: ليس ذنبنا، نحن في شدة البؤس، ولا نجد قوتنا إلا بشق الأنفس، فقلت لهم إنّكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم البلد الجافّ، وفي هذا درس وعبرة لكل من يرغب في الأرض أن يختار أطيبها، فعلى ذلك فتيمموا صعيداً طيّباً.

حسين عبدالنافع أبنكندا

كلية الآداب - قسم اللغة العربية

0
قم بتقييم هذا المحتوى

إضافة تعليق جديد

Image CAPTCHA