11/29/1438 - 00:07

رحم الله ملك الصحافة

فجع الوسط الإعلامي الأحد الماضي بوفاة علم من أعلامه، وأحد الذين أرسوا دعائمه وبنوا مجده، الأستاذ الكبير تركي بن عبدالله السديري، ملك الصحافة كما أطلق عليه خادم الحرمين الشريفين الملك الراحل عبدالله بن عبدالعزيز -يرحمه الله- تقديراً لجهوده في تطوير جريدة الرياض بشكل خاص وتطوير الإعلام السعودي بمختلف وسائله وتعزيز قدراته.

أبو عبدالله مارس العمل الصحفي لأكثر من نصف قرن، حيث بدأ مسيرته المهنية كمحرر رياضي ثم انطلق مسنودًاً بقدراته الكبيرة في فضاءات النجاح يترقى من منصب إلى آخر إلى أن تسلم رئاسة التحرير ثم المشرف العام على صحيفة الرياض، أكبر وأشهر صحيفة في المملكة والخليج.

لم يكن رحيل السديري خبراً عادياً وأمراً هيناً بل أحزننا كثيراً وأدمى قلوبنا، وهذا ما جسدته الوجوه الحزينة من المصلين والمشيعين باعتبار فقدانه خسارة فادحة لمهنة الصحافة في بلادنا وللشباب الصحفيين الذين سيفتقدون نصائحه وتوجيهاته المهنية، ويفتقدون ابتسامته الوضيئة، فالراحل العزيز يتمتع بمساحة شاسعة من الحب يكنها محبوه له، لكنها إرادة الله لا اعتراض عليها، وهذه سنة الحياة ودرب كلنا سائرون عليه عاجلاً أو أجلاً، مصداقًا لقوله تعالى: «كل من عليها فان»، ومن حقه علينا وهو تحت الثرى الآن أن ندعو له، ونتذكر محاسنه الطيبة، وأعماله الجليلة التي تخلد ذكراه.

يعد أبو عبدالله بحق من أبرز القيادات الصحفية ليس على المستوى المحلي فحسب، بل على المستوى العربي أيضاً، وترأس كثيراً من الهيئات والاتحادات الصحفية، فهو أول رئيس لهيئة الصحفيين السعوديين، ورئيس اتحاد الصحفيين الخليجيين، بل هو مدرسة صحفية بعلمه وخبراته ومهاراته وعلاقاته تخرج على يديه العديد من رؤساء التحرير. 

وعلى صعيد الجامعة أبدت صحيفة الرياض بقيادة ربانها الماهر الأستاذ تركي السديري، تعاونًا منقطع النظير مع جامعة الملك سعود، وتجسد هذا التعاون في اهتمامها الكبير بتغطية أخبار الجامعة وعكس أنشطتها وفعالياتها المختلفة، خصوصاً المتعلق بتطوير العملية التعليمية وتنمية الأبحاث العلمية وقضايا الطلاب، فأصبحت موضوعات الجامعة وأسئلتها المشروعة والملحة واقعاً يومياً على صفحات جريدة الرياض، وتحولت العديد من صفحاتها إلى منتدى ومنبر يومي يناقش القضايا المهمة في الجامعة.

ولقد تشرفت في بداية تعاوني في الصحيفة أن أكون المسؤول عن أخبار الجامعة لكوني طالباً فيها ومحرراً أيضا في صحيفة «رسالة الجامعة» التي كانت تطبع آنذاك في مطابع صحيفة الرياض، وأذكر أنني خاطبت الأستاذ تركي السديري لدعم نشاط ثقافي داخل كلية الآداب عندما كنت رائد النشاط الثقافي فيها، فتجاوب فورًا ولم يتردد وقدم لي شيكاً بـ 30 ألف ريال، وقال نحن في الرياض ندعم النشاط الثقافي خصوصًا في جامعة الملك سعود التي تعد منارة للعلم والثقافة.

يتفق المثقفون رغم تباينهم الفكري والسياسي على الدور الرائد الذي لعبه «ملك الصحافة» تركي السديري، إذ لم يتوان مطلقاً في توطيد سبل التعاون وتبادل الخبرات العلمية والمهنية مع جامعة الملك سعود، لا سيما مع قسم الإعلام الذي يرفد سوق العمل بكوادر مميزة في مجال الصحافة والإعلام، حتى باتت مخرجات الجامعة في هذا المضمار واقعاً ملموساً يشار إليها بالبنان نظرًا لتميزها وتفوقها المهني والإبداعي، وساهم قسم الإعلام بتمويل صحيفة الرياض بالعديد من الخريجين الذي تقلدوا مناصب قيادية داخل الصحيفة.

وحرصاً منها على تعزيز التعاون وضمن برامجها مع جامعة الملك سعود عمدت صحيفة الرياض إلى إنشاء كرسي علمي بعنوان «كرسي جريدة الرياض للدراسات الصحفية والإعلامية» ليتولى تقديم دورات تدريبية للصحفيين ودراسات متخصصة في مجال الإعلام، فضلاً عن ورش عمل متخصصة للصحفيين لتطوير أدائهم وصقل قدراتهم المهنية، وكذلك إعداد الدراسات العلمية والاستشارات الفنية التي من شأنها دفع عجلة الأداء نحو مزيد من الجودة. 

لقد تعززت العلاقة بين صحيفة الرياض والجامعة على نحو استراتيجي يقوم على أساس متطلبات سوق العمل لكوادر إعلامية شابة تتسلح بالعلم والمهنية، وقد كان للراحل وصحيفة «الرياض» دور واضح ومميز في تدريب خريجي «الإعلام»، وغيرها من أقسام الإعلام بجامعات المملكة كافة، وذلك من خلال مبادراته المتعددة وإسهاماته، إذ انطلقت هذه المبادرة «كرسي الرياض» من أهداف وطنية عميقة تمثل بعضها في  تفعيل دور الجامعة والسعي الحثيث والجاد على تبوئها مكانة متقدمة ومراكز مرموقة بين وصيفاتها المحلية والعالمية، وخصوصاً في مجال الأبحاث العلمية وعمليات التطوير المستمرة.

وبدا تركي السديري أكثر حرصاً على تأسيس علاقة راسخة مع الجامعة تقوم على أسس مهنية عالية وفعاليات تواكب التطورات المتلاحقة في عالم اليوم، وذلك من خلال الشراكة بين جريدة «الرياض» التي تمثل مؤسسة اليمامة الصحفية والجامعة ولاسيما في المجال الصحفي والإعلامي لدعم برامج البحث العلمي في هذا التخصص الحيوي والمهم، والذي يستوجب تطبيقه شراكة بين القطاعين العام والخاص لبلورة الأفكار وتزاوج الخبرات المهنية مع النظريات الأكاديمية، وهو ما من شأنه الإسهام بصورة فاعلة في إعداد كوادر صحفية شابة تصمد بقوة أمام تحديات المهنة وسوق العمل الذي تحتدم المنافسة في أروقته يوما إثر يوم.

هذه بعض الوقفات أحببت أشارككم بها وهي جزء يسير من ذكرياتنا الجميلة مع ملك الصحافة الأستاذ تركي بن عبدالله السديري رحمه الله وغفر له، الذي مهما قلنا ونقول فيه وعنه لا نوفيه حقه، لكن ما لا يدرك كله لا يترك جله، وأختم مقالي بالقول «إنا لفراقك يا تركي لمحزنون».

د. تركي العيار

0

قم بتقييم هذا المحتوى

إضافة تعليق جديد