04/04/1440 - 21:33

ميقات «الجحفة» جدير بالدراسة التاريخية والأثرية

مع بعثة محمد صلى الله عليه وسلم وانتشار الإسلام استمرت معظم طقوس الحج السائدة خلال العصر الجاهلي دون تغيير، بعد فرض الحج الإسلامي، ولكن أُعيد تنظيمها وتحريرها من المعتقدات الوثنية لتتوافق مع «الحنيفية» ملة إبراهيم عليه السلام مثل الطواف حول الكعبة، والسعي بين الصفا والمروة، والوقوف في عرفات، ورجم الشيطان في منى، وذبح الأضاحي.

تشير عدة أحاديث صحيحة أن الرسول صلى الله عليه وسلم في أواخر حياته بالمدينة قام بإضافة عنصر جديد إلى طقوس الحج المعروفة سابقًا، وهو الوقوف في أحد خمسة مواقع ثابتة يطلق عليها اسم «المواقيت».

حدد الرسول صلى الله عليه وسلم كل ميقات لأهل مناطق معينة كالتالي: ميقات ذو الحليفة لأهل المدينة، وميقات الجحفة لأهل الشام، وميقات قرن المنازل لأهل نجد، وميقات يلملم لأهل اليمن، وميقات ذات عرق لأهل العراق.

أكبر تلك المواقيت هو ميقات الجحفة الواقع إلى الشمال الغربي من مكة المكرمة بمسافة تصل إلى حوالي 187 كم، ويحتل موقعاً مميزاً واستراتيجياً على طول الطريق الرابط بين مكة المكرمة والمدينة المنورة؛ مما جعله محطة رئيسية هامة يقصدها المسافرون والحجاج من مختلف مناطق العالم الإسلامي.

زارالنبي صلى الله عليه وسلم الجحفة عدة مرات خلال حياته، وعلى رمالها وطئت أقدامه الشريفة وبين صخورها ووديانها ركع لله وسجد. كما شهدت الجحفة أحداثاً تاريخية هامة، مثل ظهورها في أهم حدث في التاريخ الإسلامي وهو الهجرة النبوية من مكة إلى المدينة عام 1هـ/622م، حيث توقف فيها النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وبينما هما هناك اشتاق النبي إلى موطنه مكة فنزل قول الله تعالى: «إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَاد». وكانت آخر زيارة قام بها النبي صلى الله عليه وسلم للجحفة في عام 10هـ/632م وذلك خلال حجة الوداع حيث توقف بها مع الآلاف من صحابته الكرام رضي الله عنهم وأدوا الصلاة فيها.

ارتبط اسم الجحفة بالعديد من الشخصيات الهامة على مر التاريخ، ومن أشهرهم أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، حيث كانت غالباً ما تسافر من المدينة إلى مكة لأداء فريضة الحج، وكانت بعد أداء الفريضة تخرج إلى ميقات الجحفة وتقيم هناك حتى تشاهد هلال شهر الله المحرم ثم تحرم من هناك لأداء العمرة.

أيضاً السيدة زبيدة زوج الخليفة العباسي هارون الرشيد من بين الشخصيات الهامة التي قامت بزيارة الجحفة خلال القرن 2هـ/8م، وذلك في طريق عودتها من مكة إلى الكوفة بعد أدائها فريضة الحج.

ووفقاً للعديد من المصادر الإسلامية المبكرة كان ميقات الجحفة خلال عصر السيدة زبيدة والفترة العباسية المبكرة مدينة إسلامية مزدهرة، وميقاتاً مأهولاً بالسكان، يتميز بتطورالعمارة، ويمتلك مكاناً بارزاً في جميع جوانب الحياة الحضرية.

ويؤكد ذلك ما كشفت عنه الأبحاث الميدانية والدراسات الأثرية التي تم إجراؤها حديثاً على الموقع، حيث تم اكتشاف آثار مدينة إسلامية واسعة النطاق ومسورة، بنيت مبانيها من حجر البازلت الأسود بشكل محكم وقوي، الجدران ضخمة وسميكة وعالية ومغطاة بطبقة من الطين والجص، ومن خلال حجمها وتصاميمها تعد مبان مثيرة للإعجاب.

يحتوي الموقع أيضاً على مجموعة متنوعة من العناصر المعمارية الحضرية مثل التحصينات الإنشائية «أسوار حجرية وحصن كبير الحجم»، وذلك للدفاع عن السكان والحجاج وتحقيق الاستقرار والأمن لمجتمع الجحفة المسلم.

بالإضافة إلى ذلك، تم اكتشاف نوعين هامين من إمدادات المياه في الجحفة: بركة متوسطة الحجم، وقناة أرضية، البركة تأخذ الشكل الدائري ومبنية من أحجار البازلت السوداء. أما القناة فكانت مشروعًا ضخمًا يحتوي على العديد من الآبار الرأسية تمتد تدريجيًا على مسافات طويلة حتى تظهر على سطح الأرض لري المناطق المنخفضة في الجحفة.

كما أظهرت الأبحاث مجموعة كبيرة من العناصر المعمارية مدفونة تحت الأرض ومغطاة بالرمال والصخور مما سيتطلب مزيدًا من الجهود في المستقبل للكشف عنها ودراستها. 

ختاماً، تُعد الجحفة من أهم مواقيت الحج الإسلامية كأكبر ميقات مأهول بالجزيرة العربية خلال الفترة الإسلامية المبكرة، ومركز حضاري حيوي يعكس تاريخ السيرة النبوية وعصر الخلفاء الراشدين وما تلاه من عصور. لذلك، ينبغي الاهتمام بهذا الميقات وإجراء أعمال بحث وترميم وتأهيل لكامل الموقع ووضع خطة شاملة لحمايته وصيانته. وذلك ضمن برنامج العناية بمواقع التاريخ الإسلامي الذي تشرف عليه الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني.

وتماشيًا مع خطط المملكة الرامية لزيادة أعداد الحجاج والمعتمرين بما يتوافق مع رؤية 2030، فإن تطوير ميقات الجحفة، وإبراز هويته الإسلامية، والتعريف ببعده الحضاري والتاريخي سيكون أحد العوامل الهامة في جذب آلاف السياح لاستكشاف الموقع وربطهم بمآثره الإسلامية الخالدة. إن تأهيل ميقات الجحفة كوجهة سياحية سيلعب دوراً فاعلاً في تنمية السياحة الوطنية، وتشجيع القطاع الخاص على الاستثمار في هذا المجال كمصدر من مصادر تنويع الدخل للمملكة.

د. محمد بن شبيب السبيعي

كلية السياحة والآثار

0
قم بتقييم هذا المحتوى

إضافة تعليق جديد

Image CAPTCHA