03/09/1440 - 14:13

التراث والهوية.. منْ ضيع تراثه ضاع

 

 

 

«أمة بلا ماضي لا حاضر لها ولا مستقبل»، عبارة سمعناها كثيراً حتى صارت مخزونة في اللاوعي، وصار تواردها للذاكرة كصورة لا تُمحى، عرفنا من خلالها أن الماضي يعني الوجود والتجذر، ولا حاضر لأمة تجهل ماضيها.

ثمة ترابط وثيق بين التراث والهوية، فلا هوية بدون تراث تستند إليه الأمة، ولا تراث إذا لم يؤسس للهوية، فالتراث والهوية عنصران متلازمان يُشكلان في مجموعهما الذات والشخصية الفردية والجماعية.

والتراث بوصفه شيء ورثناه من الماضي، هو حاصل جمع الناتج الثقافي للناس، بما حفل من تطورات وما شهده من أحداث عبر العصور، فهو لا يتوقف عند نقطة تاريخية معينة، بل يمتد في حياتنا بكل تحولات الحاضر، واحتمالات المستقبل، حتى إننا لا نستطيع الفكاك منه باعتباره سمة أصيلة من سمات الهوية.

وليس التراث معالم وصروح وآثار فحسب، بل هو أيضًا كل ما توارثناه من معطيات مادية ومعنوية تُجسّد تطور المجتمع، من فولكلور، وحكايات، وممارسات اجتماعية، ومهارات حرفية، ومعارف تقليدية، بالإضافة إلى تلك البقايا المادية والصروح المعمارية المختلفة، فهو إذاً معينٌ ثري لا ينضب من المعرفة، ومصدر للأصالة، وجزء لا يتجزأ من الثقافة الشعبية والهوية الوطنية.

إن موضوع العلاقة بين التراث والهوية يكتسب اليوم أهمية متزايدة في ظل إشكالات الحداثة والعولمة الكاسحة والباسطة نفوذها على كل شيء، والخوف من الانصهار في الثقافات الأخرى، في الوقت الذي باتت فيه كثير من مظاهر الثقافة مهددة بالاندثار، ولهذا كان علينا أن نتشبث بالقيم التراثية ما استطعنا إلى ذلك سبيلا، بوصفها العمود الفقري لخصوصياتنا الثقافية ومكوناتنا الحضارية.

وما أريد أن أُنبّه إليه في سياق هذا المفهوم الموضوعي للتراث والهوية، هو أن العالم اليوم يتجه إلى طمس الهويات الوطنية للشعوب وتذويبها وتهجيبنها حتى لا تبقى إلا ثقافة واحدة وهوية واحدة، وهي إحدى صيغ المواجهة الحضارية التي يخوضها العالم الغربي اليوم، فهم يسعون بشتى الوسائل إلى قطع الصلة بين الإنسان وتراثه وجذوره التاريخية، ولذلك فإن التأكيد على أهمية التشبث بالهوية التراثية والاعتزاز بها صارت ضرورة ملحة أكثر من أي وقت مضى حتى لا نجد أنفسنا، وقد وقعنا تحت هيمنة ثقافة ليست بثقافتنا وتم إخضاعنا لحضارة واحدة لا نمت لها بصلة، ولهذا فإن المحافظة على التراث والعناية به مسؤولية ورسالة وواجب وطني، فإذ انهدم الماضي وانهار، فإن عودته ضرْبٌ من المحال.

ولا شك أن هذا الاهتمام الذي توليه المملكة لحفظ تراثها الوطني، وبرنامج خادم الحرمين للعناية بالتراث الحضاري، وما تقوم به المؤسسات المعنية، وفي مقدمتها الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني من خلال البرامج والفعاليات التراثية المستمرة، يعكس المكانة المتميزة للتراث في أجندة الحكومة وأولويات المحافظة عليه، وهو ما تفرضه الفرص الاقتصادية الكامنة التي يمكن أن يقدمها التراث للاقتصاد الوطني، فضلاً عن تحديات العولمة كضمان لصون الشخصية الوطنية، والقيمة الثقافية للمملكة، ودمتم طيبين.

د. ياسر هاشم الهياجي

كلية السياحة والآثار

 yasseralhiagi@gmail.com

0
قم بتقييم هذا المحتوى

إضافة تعليق جديد

Image CAPTCHA