الاستدامة الاجتماعية في البيئة العمرانية

زاوية: عمرانيات

قد يعتقد البعض أن مصطلح أو مسمى «الاستدامة الاجتماعية» جديد علينا مضموناً أو صياغةً أو شكلاً، ومما لاشك فيه أن الجوانب الاجتماعية مطلب طبيعي وفطري قديم لدى الإنسان، وقد انعكست تلك الرغبة والحاجة من خلال تشييد مبانٍ ومدن بشكل يراعي تلك الجوانب، وصارت تلك المسميات نتاجاً فعلياً على المدينة التقليدية لاسيما المدينة العربية.

برزت المدينة العربية كمدينة اجتماعية تلبي الحاجات المعنوية للإنسان، وذلك من خلال تشكيل وتنظيم فيزيائي للبيئة المبنية سواءً كان بشكل فطري أو بشكل مخطط له، فظهرت المباني المتضامة والأحواش المحاطة بالمباني والمنشآت الخدمية والساحات والميادين العامة مما كان لها الأثر في تعزيز المفهوم الاجتماعي. 

معرفة المهتمين والمختصين في صناعة البيئة المعمارية بأهمية الجوانب الاجتماعية لتعزيز الاستقرار في التجمعات السكنية والمدن؛ أدى إلى المناداة بالاهتمام بها، وتناولها من بعض الدراسات والأبحاث، ومن تلكم الدراسات ما تناوله «Leon Krier» عام 1989م، والذي عبر عن ضرورة إعادة الحتمية الطبيعية «physical determinism» للمدن من خلال تخطيط وتنسيق المواقع، ومعرفة أثر العمران على معيشة الناس وتفاعلاتهم وعلاقاتهم وحِلهم وترحالهم.

ومع ظهور مفاهيم «الاستدامة» في ستينيات القرن المنصرم بجوانبها الاجتماعية والاقتصادية والبيئية، انصبت الجهود والاهتمامات على الجوانب البيئية والاقتصادية، بينما ظل الجانب الاجتماعي هو الأقل اهتماماً، خصوصاً في التصاميم المعمارية بشكل خاص والعمرانية بشكل عام.

فقد وجّه المخططون والمصممون كل تركيزهم على الجانب المادي في تصاميمهم ومخططاتهم، وغفلوا عما سوف يعكسه العمران على النواحي الأخرى وعلى وجه الخصوص الجوانب الاجتماعية؛ الأمر الذي فاقم من ظهور بعض المشاكل الاجتماعية في البيئة العمرانية، وظهور مدن وأحياء سكنية خالية من التفاعل والتآلف الاجتماعي.

ونتيجة لذلك بدأ بعض المهتمين والمنظرين والمتخصصين بالمناداة والدعوة إلى الاهتمام بالجوانب الاجتماعية، وظهرت المطالبات بما يسمى «أنسنة المدن»، والتي تتطلب عمل المزيد من الدراسات والأبحاث حول تعزيز الاستدامة الاجتماعية في المدينة العربية، من خلال الاستفادة من بعض الجوانب التي تم تحقيقها في المدينة التقليدية، أو من خلال التجارب الناجحة التي تمت على بعض الأحياء والمدن، وصولاً لمدينة اجتماعية تحقق التطلعات والرغبات التي يطمح لها مجتمعنا العربي كمدن أكثر تفاعلاً وأقل عزلة.

د. جمال ناصر

كلية العمارة والتخطيط 

0
قم بتقييم هذا المحتوى

إضافة تعليق جديد

Image CAPTCHA