أهمية الحفاظ على المصادر الثقافية

زاوية: عمرانيات

يعتبر الحفاظ على المصادر التراثية الثقافية أمرًا في غاية الأهمية؛ باعتبارها جزءًا مهمًا من ذاكرة الأفراد والأمم لما فيها من قيم ثقافية، وهي مهمة أيضًا من ناحية التطوير الاقتصادي للمجتمع لما فيها من قيم اقتصادية واجتماعية إن أُحسن استغلالها بالتخطيط السليم للتنمية المستدامة وبالإدارة المنتجة لتلك المصادر.

لقد نشأ هذا العلم وتطوّر في بعض الدول الأوروبية مثل إيطاليا وفرنسا وبريطانيا عندما شعر بعض المفكرين في تلك البلاد بأهمية الحفاظ على تراثهم، حين تعرض ذلك التراث للدمار، تارة بسبب عوامل التلف الطبيعية، وللتدمير تارة أخرى بسبب الآثار السلبية التي قام بها بنو البشر، مثل تأثيرات الثورة الصناعية والحربين العالميتين الأولى والثانية. 

لقد تطور مفهوم الحفاظ المعاصر وتفرعت أقسامه وأصبحت تحكمه مواثيق واتفاقيات عالمية تبعها استصدار قوانين تعكس في كثير من الأقطار ما جاء في تلك المواثيق والاتفاقيات، وأصبح مفهوم ملكية التراث الثقافي للبشرية جمعاء وليس حكرًا على الأمة التي تملكه، فزاد التركيز على المطالبة بالحفاظ عليه وتدخلت في هذا المجال مؤسسات عالمية مثل اليونسكو، ونشأت كذلك مؤسسات محلية في كل قطر، لكن يبقي الراعي الحقيقي لعملية الحفاظ والمستفيد الأساسي منه هو المجتمع الذي يملك ذلك التراث.

ومما يزيد من أهمية المطالبة بالحفاظ على تراث الشعوب والمجتمعات ما لمسوه من تحديد هويتهم بذلك التراث، فغالبًا ما تتخذ الشعوب رموزها «أي أن الناس يستدلون عليهم بها» وهويتها الوطنية والشعبية والدينية من معالمها الثقافية، تاريخية كانت أو أثرية، مثل الكعبة للمسلمين، والفاتيكان للنصارى، والأهرام للمصريين، والكلوسيوم للإيطاليين، وقصر المربع للسعوديين، وغير ذلك، وتظهر أهمية هذه الهوية الثقافية الوطنية أمام تيار العولمة في توحيد الثقافات، والخصخصة التي بدأت تأخذ دورًا حتى في خصوصيات التراث الثقافي وإدارته.

ويبدو أن العالم العربي المعاصر ما زال في طور الصحوة في هذا المجال، وما زالت هناك جهود تبذل في أقطار عربية مختلفة – أكاديمية وتطبيقية - في محاولة منها للحفاظ على تراثها الثقافي بالاعتماد على ما يصل إليها من معلومات ونظريات وخبرات من الغرب حينًا، وبالتجربة العملية في الموقع حينا آخر، مع ما قد يتبع ذلك من أخطاء لقلة التجربة المعتمدة على النظرية التي تحاكي الواقع وتتفاعل معه لحل إشكالياته، مما يؤثر سلبًا على ذلك التراث الثقافي.

العالم العربي لديه الأسس لإنشاء مدرسة خاصة به للحفاظ على تراثه، حسب خصوصيته الثقافية أي ذاتية التكوين، وحسب قدراته التقنية والمادية أي بتوافقية التطبيق.

 

أ. د. جمال عليان

أستاذ العماره والحفاظ

كلية العمارة والتخطيط

jilayan@ksu.edu.sa

0
قم بتقييم هذا المحتوى

إضافة تعليق جديد

Image CAPTCHA