مدينة صديقة للمسنين

زاوية: عمرانيات

يتجه المجتمع السعودي بسرعة نحو الشيخوخة، إذ تشير الإحصائيات أن عدد المسنين الذين تفوق أعمارهم الستين سنة سيناهز 3 ملايين بحلول 2030 وأنهم ينمون بمعدل يفوق النمو السكاني للمملكة، وعليه فإن نسبة المسنين ستتجاوز لأول مرة نسبة صغار السن «أقل من 15 سنة» بحلول عام 2045م حيث ستصبح 22% للمسنين مقابل 17% للصغار. كما أن متوسط العمر في المملكة اليوم يناطح منتصف السبعينات، ويُتوقع أن يتعدى عتبة الثمانين بعد سنوات. 

يُستنتج من كل هذا أن المجتمع السعودي يشيخ بسرعة وهو يتحضر أيضاً بسرعة أكبر حيث بلغت نسبة التحضر فيه حالياً 85%، وبالتالي فليس أمام هذا المجتمع المتشايخ إلا بيئة المدينة ملاذاً ومستقراً له، والسؤال المطروح بإلحاح في هذا الصدد هو: هل مدن المملكة مستعدة لاستيعاب هذا العدد الهائل من المسنين؟!

إن التطور السريع لفئة المسنين سيفرض تحديات كبيرة على المدن السعودية وعلى المخططين وأصحاب القرار المعنيين بالشأن العمراني، فإذا كانت فئة الشباب تطغى حالياً على المظهر العام للمدينة السعودية فإنها بعد عقدين ونيف ستنقلب الصورة رأساً على عقب وسيغلب عليها منظر الشيوخ الذين تتثاقل خطاهم وهم يتحركون في المدينة. 

إذا كانت المدينة السعودية بشكلها الحالي تستعصي الحركة في أرجائها على الشباب اليافع فكيف سيكون الحال بالمسنين الذين لم يبق لهم من عنفوان الشباب إلا الذكرى وخارت قواهم ولم يعد بوسعهم القيام بنفس الأنشطة التي كانوا يقومون بها قبل الستين؟

نصف فئة المسنين سيعانون من مشاكل صحية مزمنة وسيعانون من محدودية القيام ببعض الوظائف؛ لهذه الأسباب وغيرها يتعين على المسؤولين عن التخطيط والمعنيين بالشأن العمراني أن ينبروا من الآن لوضع تشريعات عمرانية لإيجاد بيئة عمرانية تناسب المسنين age-friendly cities وتشجع على التشيخ النشط active ageing.

يضطر المسنون من الجنسين، في ظل الوضع الحالي للمدينة السعودية، للانكفاء على ذواتهم والانعزال في بيوتهم واستهلاك مختلف أدوية أمراض القلب والأوعية والضغط والسكر وما إلى ذلك؛ هذا بغض النظر عن حالة القلق والضجر التي تساورهم وتعصف بهم، وإن هم أرادوا الخروج ترويحاً عن النفس لبعض الوقت، فإن البيئة العمرانية غير مهيأة تماماً لحركتهم، فالشوارع منظرها كئيب وأرصفتها ضيقة ومليئة بالعوائق، ولا مقرات خدمات مناسبة يلجأون إليها أو أماكن تلاقي لنسج علاقات اجتماعية مع نظرائهم.

من هنا فإنه حري بأهل الاختصاص البحث في كيفية صياغة بيئات سكنية وعمرانية تناسب المسنين وتساعدهم على النشاط الدائم والحركة المستمرة. كما ينبغي البحث أيضاً في كيفية إعادة صياغة المدن الحالية لتتكيف مع ظروف المسنين وتناسب حالاتهم وتحفزهم على المشاركة الاجتماعية والأنشطة الفكرية والحركية.

هذا بالضبط ما دعت إليه المنظمة العالمية للصحة عام 2006 حينما عرفت المدينة الصديقة للمسنين بأنها مدينة تشجع المتقدمين في السن على التشيخ النشط بتعظيمها لفرص التمتع بالصحة والمشاركة الاجتماعية والشعور بالأمان والسلامة لينعم المسنون بحياة جيدة مفعمة بالحيوية والنشاط.

بتعبير أدق، ينبغي إحداث تغيرات جذرية لنموذج المدينة الحالية التي تقوم على تسهيل حركة السيارة مخصصة للطرق المسفلتة فيها حوالي 40% من مساحتها. كما ينبغي إعادة النظر كلياً في تخطيط الإسكان والنقل والخدمات بأنواعها «الصحية والترفيهية والتجارية والدينية وما إلى ذلك».

المدينة الصديقة للمسنين ينبغي أن تقوم أساساً على تسهيل حركة المسن وتوفير الوصول الشامل الميسر لمختلف مواقع الخدمات الصحية والاجتماعية والترفيهية دون عناء ودون معوقات. كما يتعين مراعاة الاحتياجات الحركية والاجتماعية والنفسية للمسنين وتمكينهم من القيام بمختلف الأنشطة دون مضايقات ودون إقصاء لباقي الشرائح العمرية. 

بقي أن نشير أنه لا يفصلنا عن سنة 2045 «سنة طغيان نسبة المسنين في المجتمع» سوى ما يربو عن عقدين من الزمن وهي فترة إعداد المخططات الهيكلية والاستراتيجية للمدن؛ لهذا من الضروري أن تعكف الأجهزة الفنية والتخطيطية في مدن المملكة بالعمل على إعادة صياغة مدنها بهدف تشكيل بيئات عمرانية صديقة للمسنين ومحفزة للتشيخ النشط.

أ. د. طاهر عبدالحميد لدرع

أستاذ التخطيط والتصميم العمراني

tledraa@ksu.edu.sa 

0
قم بتقييم هذا المحتوى

إضافة تعليق جديد

Image CAPTCHA