01/23/1441 - 16:58

دراسة اللغة الصينية في ماليزيا

 

 

 

مع بدايات التوجه نحو تعلم اللغة الإنجليزية كانت الخيارات في بادئ الأمر محدودة للجيل القديم في المملكة العربية السعودية، من حيث الدول التي يمكن تعلم واكتساب تلك اللغة فيها، إذ كانت تتركز آنذاك في إنجلترا وأمريكا فقط، ثم تنوعت الفرص للأجيال اللاحقة فأصبحت من بين الخيارات دول أخرى مثل كندا وأستراليا ونيوزيلاندا وغيرها.

وقياساً على ذلك وبما أننا اليوم في بدايات التوجه نحو تعلم اللغة الصينية، فهل يمكن أن تكون ماليزيا من الخيارات والوجهات المناسبة لتعلم اللغة الصينية؟!
من واقع تجربتي أثناء دراستي للدكتوراه في دولة ماليزيا فإن الإجابة قد تكون «نعم»، وذلك لعدد من المبررات؛ أولها أن نسبة السكان الماليزيين من أصول صينية بلغت في بعض الإحصاءات ٢٤٪، أي حوالي سبعة ملايين نسمة من سكان ماليزيا، وأصبحوا يتحكمون بحوالي ٧٠٪ من مخزون الاقتصاد الماليزي ويمثلون ثروة وطنية عالية من حيث الثقافة، فاللغة والثقافية الصينية حاضرتان بقوة في ماليزيا سواء في مجال التعليم العام أو الجامعي، وكذلك في الحياة العامة للمجتمع الماليزي، كالأحياء والأسواق والسكن والمستشفيات والمطاعم حتى في إجازات الدولة الرسمية كعيد رأس السنة الصيني.

لذلك كله أعتقد أن الطالب السعودي سيجد الماليزي الصيني أستاذًا في الجامعة وزميلاً في مقاعد الدراسة، وطبيبًا، وتاجرًا، ومالكًا للسكن ولمراكز الصيانة وغيرها، بل وحتى سائق للتاكسي، وسيشعر في كثير من الأحياء أنه في الصين وليس في ماليزيا.

بعبارة أخرى، فإن الطالب السعودي الذي يعتزم الدراسة في ماليزيا، سيجد أن تعامله اليومي في كثير من الأحيان مع الجالية الماليزية الصينية أكثر من تعامله مع الماليزيين الأصلييين «الملايو».

هناك جانب آخر أعتبره من الجوانب التي لابد أن تؤخذ بعين الاعتبار لإنجاح تجربة الابتعاث لتعلم اللغة الصينية، وأعني بذلك الجوانب النفسية والاجتماعية لطلابنا ومرافقيهم، فمن واقع التجربة، فإن أخذ هذه الجوانب بعين الاعتبار سوف يخفف بالتأكيد من وطأة الغربة والصدام الثقافي الشاسع والذي قد يتسبب في زيادة نسبة التسرب والتعثر لدى الدارسين.

أذكر في هذا السياق تجربة أحد الأصدقاء من أهل جدة وكان جارًا لي في ماليزيا وقد جرب الدراسة في الصين وماليزيا، وشرح لي ما وجده هو وعائلته من الفرق الشاسع الذي عايشوه في كلا البلدين، سواء ما يتعلق بوطأة الغربة أو الصدام الثقافي.

أظن أن الصينيين في ماليزيا أكثر لطافة ورقة في الطباع وتفهمًا لعادات وخصوصيات المسلمين مقارنة بالصينيين في الصين، بسبب مخالطتهم للماليزيين الأصليين «الملايو» لعقود من السنيين.

بعبارة أخرى، إن ماليزيا جمعت بين ميزتين؛ الأولى هي البيئة المريحة والأكثر تهيئة للدارسين السعوديين، فالمساجد والأسواق والمطاعم الحلال متوفرة بكثرة، وكذلك المدارس السعودية للعوائل المرافقة والمركز الثقافي السعودي،والذي تقام فيه صلاة الجمعة وصلاة التراويح والأعياد وكثير من الفعاليات الثقافية والاجتماعية للطلبة السعوديين وعوائلهم بخلاف الواقع في الصين.

أما الميزة الثانية فهي أن اللغة الصينية معتمدة أيضًا في ماليزيا ومستخدمة على نطاق واسع هناك. 

باختصار، أعتقد أنه لو تم التفكير في فتح مسار تجريبي موازٍ لدراسة اللغة الصينية في ماليزيا بجانب المسار الرئيس في دولة الصين فأكاد أجزم أن هذا المسار الموازي سوف يحقق مخرجات بجودة عالية وبنسبة تسرب وتعثر أقل بين الدارسين، والله تعالى أعلم. 

 

د. شافي سعد القحطاني

كلية اللغات والترجمة

دكتوراه في اللغويات من جامعة ماليزيا الوطنية 

0
قم بتقييم هذا المحتوى

إضافة تعليق جديد

Image CAPTCHA