01/23/1441 - 17:00

منطق تعليم اللغات الأجنبية والترجمة في المملكة

 

 

 

المملكة العربية السعودية في ظل رؤية 2030، رؤية جديدة « للبناء بالأبناء « متجهة نحو الانخراط والاندماج مع العالم الخارجي على جميع الأصعدة؛ السياسية والثقافية والدينية والعلمية ..إلخ. المملكة بثباتها واستقرارها السياسي والديني والثقافي منذ تأسيسها لم يرى منها العالم بمجمله سوى العون والدعم والمساندة.

ما نريد تأكيده في البداية هو دور وأهمية معرفة اللغات الأجنبية في تنمية الجانب الثقافي والفكري لدى الفرد في المجتمع، فالشخص العارف والمتقن للغة أجنبية على الأقل في الغالب يتميز عن غيره ممن لا يعرفون سوى لغتهم الأم. المملكة العربية السعودية كغيرها من دول العالم اهتمت بهذا الجانب التنموي منذ ما يقارب التسعين عام بناءً على قناعة تامة بضرورة معرفة ثقافات وحضارات وسياسات الدول الأخرى. وقد تلخص ذلك في التركيز أولاً على تكثيف الاهتمام بتعليم اللغة الانجليزية بصفتها اللغة الأولى عالمياً ويمكن التواصل من خلالها مع عدد كبير من دول العالم، ثم جاء بعد ذلك إدراك ضرورة وأهمية معرفة أكبر عدد ممكن من لغات العالم الرسمية من أجل رؤية ومعرفة حضارات وثقافات الدول الأخرى من جهة وتسهيل رؤية ومعرفة الصورة الحقيقية للملكة العربية السعودية من جهة أخرى. ومن هنا تم إنشاء أول كلية في المملكة بمسمى « كلية اللغات والترجمة « بجامعة الملك سعود.

هذه الكلية بتوالي جهود قياداتها المختلفة تبنت منذ تأسيسها دور الممول الأول لسوق العمل السعودي بكوادر وطنية في عدد من اللغات الأجنبية الحديثة (الفرنسية، الألمانية، الإسبانية، الإيطالية، الروسية، التركية، الفارسية، العبرية، الصينية، اليابانية)، بالإضافة إلى اللغة الانجليزية. كل هذه اللغات جميع برامجها تحمل اسم اللغة المعنية بالإضافة إلى الترجمة (مثال: «برنامج اللغة الفرنسية والترجمة»)، وتتضمن أيضاً جميع برامجها مزيج من مواد مهارات اللغة ومواد ترجمة من وإلى اللغة العربية في عدد من المجالات (مثال: «الترجمة التقنية والعلمية»، «ترجمة النصوص الإسلامية»، وغيرها)، وتحمل شهادة خريج البرنامج مسمى درجة البكالوريوس في الترجمة «Bachelor degree of Translation». إلا أن هذا الخريج عندما يجد فرصة للعمل بشكل أو بآخر يصطدم بالواقع ويجد نفسه أمام ضرورة ملحة لمواصلة تعلم اللغة. هذه الطريقة (دمج تعلم اللغة بتعلم الترجمة) في نظري غير منطقية وغير معمول بها في جميع المعاهد والمدارس المتخصصة التابعة لجامعات عالمية معروفة. ربما ذلك هو السبب الحقيقي في وجود مشاكل على مستوى تعليم اللغة بشكل عام وصعوبة الفهم والاستيعاب لدى أغلبية طلاب جميع تلك البرامج حتى في المستويات المتقدمة (السابع والثامن) وعدم تمكن الطالب في النهاية من اللغة، وبالتالي عدم قدرته على ممارسة الترجمة بالشكل المطلوب في سوق العمل.

أين المنطق هنا في تعليم اللغات الأجنبية والترجمة ؟

تعلم الترجمة، شئنا أم أبينا، لا يمكن أن يأتي إلا بعد الإلمام التام بلغات الترجمة أو لغات العمل «langues du travail» كما نسميها في علم الترجمة، والأولى بنا في رأيي أن نعمل ضمن إطار هذا المبدأ المطبق حالياً في أقوى وأعرق معاهد ومدارس الترجمة في العالم، ونركز في المقام الأول (في مرحلة البكالوريوس على وجه الخصوص) وبأهمية عالية، خلال أربع سنوات جامعية، على الجانب اللغوي فقط وبشكل منطقي وصحيح يتوافق مع واقعنا في المملكة من ناحية ومع القدرات الذهنية المتفاوتة للطلاب من ناحية أخرى، وهنا نقصد الطلاب السعوديين على وجه الخصوص. ويكون التركيز على الترجمة بشقيها الشفهي والتحريري ضمن برامج دراسات عليا متخصصة تؤهل لسوق العمل (حالياً يوجد برنامج ماجستير الترجمة - لغة انجليزية، برنامج ماجستير دراسات الترجمة – لغة فرنسية). الأفضل إذن هو إعادة النظر في جميع برامج البكالوريوس في أقسام كلية اللغات والترجمة والعمل على تهيئتها كبرامج متخصصة في تعليم اللغات الأجنبية التطبيقية «Langues Etrangères Appliquées» فقط من قبل مختصين في هذا المجال، مع الاستعانة في البداية بطاقم تدريسي متخصص من بلد اللغة مكون من شخصين على الأقل لكل برنامج. واستحداث برامج دراسات عليا متخصصة في الترجمة والترجمة الفورية لجميع اللغات المطلوبة في سوق العمل، يتولى الاشراف عليها طاقم مختص في المجال، ويقوم بالتدريس والتدريب فيها مختصين من ذوي الخبرة والكفاءة العملية العالية.

د. الحسين محمد ال مهديه

أستاذ دراسات الترجمة المساعد

كلية اللغات والترجمة

 

0
قم بتقييم هذا المحتوى

إضافة تعليق جديد

Image CAPTCHA