03/24/1441 - 11:07

نشكل المدن أم تشكلنا؟

زاوية: عمرانيات

 

 

 

 

إذا نظرنا إلى تاريخ العمران  فسيكون بمقدورنا أن نرى بوضوح مدى تأثير تشكيل المدن على السلوك الإنساني ووظائف المدن.

الإمبراطورية الرومانية خططت مدنها لتعزيز الدور العسكري للمدينة، وذلك بتنظيم الطرقات والميادين والمباني العامة والثكنات.

أما عمارة مدن العصور الوسطى فقد كان يدعم وظيفتها كمراكز للتجارة والحرف من خلال التركيبة المتراصة والكثيفة ذات المسافات القصيرة والميادين وأماكن التسوق.  

وبالمقابل فإن إستراتيجية «هاوس مان» في باريس كانت تتجلى في عمل شوارع عريضة كالشانزليزيه لدعم ممارسة ثقافة الأرصفة التي تكتنفها الأشجار للتنزه وحياة المقاهي على امتداد الشوارع الواسعة للمدينة، وفي مدن القرن العشرين فكل الفراغات في المدينة أصبحت ببساطة ممتلئة بالمركبات  المتحركة أو الواقفة. 

حيث تجلب كل مدينة أكبر قدر ممكن من الحركة المرورية بحسب ما تسمح فراغاتها، والذي نتج مزيدًا من الشوارع لمواجهة المزيد من السيارات والمزيد من الاختناقات المرورية والمزيد من التلوث والمزيد من البدانة وأمراض العصر.

من هنا يتبادر لنا السؤال التالي: إذا كانت زيادة الطرقات توحي بزيادة الحركة المرورية؛ فماذا سيحدث إذا تم العكس؟

في عام 1989م ضرب زلزال مدينة سان فرانسيسكو، مما تسبب في الكثير من الأضرار لأحد الشرايين الحيوية في المدينة، مما استلزم إغلاقه، وبالتالي إزالة إحدى المسارات المرورية الهامة إلى مركز المدينة، وقبل وضع خطط إعادة الشارع كان جلياً أن المدينة كانت تعمل بشكل جيد دون ذلك المسار، فقد اعتاد الناس المشي والحركة في الشارع الذي أصبح تكتنفه الأشجار والأرصفة الواسعة، مما شجع المدينة بمواصلة جهودها لتحويل الطرق السريعة إلى شوارع هادئة لحركة الناس بدلاً من حركة السيارة.

ويمكن ملاحظة أمثلة مشابهة في كثير من المدن التي تحولت شوارعها المكتظة بالسيارات إلى شوارع لحركة وتنزه الإنسان، وسيئول في كوريا الجنوبية واحدة منها.

الخلاصة إذا تم تشكيل المدينة للناس فسيأتيك الناس، وإذا تم تشكيلها للسيارات فستأتيك السيارات، فكما نشكل المدينة تعيد المدينة تشكيلنا.

 

أ. د. عبدالله محمد العابد

أستاذ التصميم العمراني والإسكان

كلية العمارة والتخطيط

0
قم بتقييم هذا المحتوى

إضافة تعليق جديد

Image CAPTCHA