قررت أن أترك عملي!

في محاولة لإثبات الذات، يضطر الموظف للضغط على نفسه في أداء المهام وتحقيق الإنجازات وبذل أكبر قدر من الجهد والوقت، ضغط متواصل وابتعاد عن الأسرة والأصدقاء لأنه وجد نفسه محل ثقة الرئيس وعليه أن يثبت أنه يستحق هذه الثقة.

من هنا يصبح هو المركز أو قائد فريق العمل الذي يؤدي كل شيء، ويعتمد عليه الرئيس في كل صغيرة وكبيرة.

ما تقدم هو أحد الأمثلة الواقعية من بيئة العمل بإحدى الشركات الكبرى، والتي عملت فيها سابقاً، وهو مثال يشير إلى أن ذلك الموظف سوف يكون تحت الضغط، كما يشير إلى عدم الاستفادة من قدرات الآخرين حيث أصبح دورهم انتظار توجيهات قائد الفريق.

صحيح أن فريق العمل يحتاج إلى قيادة، لكن القائد لا يفترض أن يقوم بكل شيء، ومن أهم صفات القائد الناجح اكتشاف القدرات القيادية لدى فريق العمل وتوزيع المهام وإعداد قادة للمستقبل، وهذا لا يتأتى إلا بالمشاركة.

على الصعيد الاجتماعي سوف ينقطع - صاحبنا - قائد الفريق الذي يكلف بمسؤوليات متعددة عن أسرته وعلاقاته الاجتماعية، وسوف يؤثر هذه الانقطاع سلباً في الأداء والإنتاجية وليس العكس كما هو الانطباع السائد.

وحيث إننا على اطلاع بتجارب وأمثلة من واقعنا الإداري فلعلنا نورد تجربة من مجتمع آخر لغرض المقارنة. 

يروي وزير أمريكي سابق تجربته كما يلي: منذ سنوات كنت أعاني من مشكلة، لم أستطع الانتظار حتى أصل إلى مكتبي في الصباح وأتركه في المساء على مضض، إن منصبي كعضو في مجلس الوزراء كان أفضل منصب حصلت عليه على الإطلاق، لذا كنت أوليه كل اهتمامي، وليس من المستغرب أن باقي حياتي تقلصت إلى مجرد حياة جافة بعيدًا عن الأصدقاء والأسرة، حيث فقدت التواصل مع الأصدقاء القدامى، وكنت أرى زوجتي قليلاً، ولم أكن أرى أبنائي بصورة كافية.

ويضيف: ذات مساء وللمرة السادسة في أسبوع واحد، اتصلت بالمنزل لأخبر أبنائي بأنني قد يفوتني موعد نومهم مرة أخرى، فقال الصغير: حسناً. فقلت في قرارة نفسي: ولكن هل أستطيع أن أوقظه حينما أعود إلى المنزل! سيكون الوقت متأخرًا حقًا، سيكون قد استغرق في النوم منذ وقت طويل، لذا من الأفضل أن أراه في الصباح.

استمع ابني ولكنه أصر على انتظاري، وسألته عن السبب فقال إنه أراد فقط أن يشعر بوجودي في المنزل، وحتى يومنا هذا لا أستطيع أن أشرح ما حدث في تلك اللحظة ولكنني عرفت فجأة وبحسم أنه يجب أن أترك عملي. 

تلك صورة من صور ضغوط العمل وهناك اعتقاد بأن الإنسان عندما يعمل ويبدع وينتج تحت الضغوط فإنه بذلك سوف يتوصل إلى أفضل إنتاجية ويكون قادرًا على تقديم أفضل ما لديه، لكن باحثين في جامعة هارفرد اكتشفوا عكس ذلك المبدأ، فقد وجدوا أن الضغوط الهائلة تقتل الإبداع وأن التوتر قد يؤدي إلى عدم صفاء الذهن والإجهاد البدني، ومن ثم فقدان الحماس تمامًا للمشروع برمته.

بشكل عام يمكن القول إن هناك بعض العوامل التي تساعد على التعامل الإيجابي مع ضغوط العمل منها التفويض، والتفكير الإيجابي، وعدم المبالغة في نقد الذات، والوضوح في المسؤوليات والأهداف، وعدم محاولة إرضاء الجميع، وتحقيق التوازن بين مسؤوليات العمل ومسؤوليات الأسرة، والاسترخاء وتحديد أوقات للراحة.

الجانب الآخر للموضوع هو أن تضع الجهة المؤسسية كل أوراقها ومفاتيحها وثقتها في شخص واحد، وهذا خطأ تنظيمي يوفر كمية هائلة من الضغط على هذا الشخص ويعطل قدرات الآخرين، بل قد يحولهم إلى أداء أدوار سلبية لا تخدم الجهة.

 

عبدالله بن محمد الشمراني

مكتبة الملك سلمان المركزية

0
قم بتقييم هذا المحتوى

إضافة تعليق جديد

Image CAPTCHA