دمج البعد الإنساني بالتخطيط العمراني

زاوية: عمرانيات

منذ أواسط القرن الماضي تغير أسلوب تخطيط المدن وتطويرها في دول العالم بشكل كبير، فقد اعتمد تطوير المدن حتى الستينات من القرن الماضي على قواعد هي نتاج تراكمي من التجارب، فقد أخذت المدن التقليدية المترابطة في النمو بمرور الوقت اعتمادًا على الأنشطة اليومية، حيث كان الناس يسافرون على الأقدام ويشيدون المباني اعتماداً على خبرات الأجيال، ما أدى إلى نشوء مدن تنسجم فيها أحاسيس الإنسان وطاقاته، حيث كانت الحياة في فضاء المدينة جزءاً حيوياً من تلك التجربة، وكان بناء مدن ذات أبعاد إنسانية أمراً مسلماً وبديهياً.

ومع النمو السريع للمدن تسلم المخططون المختصون ومخططو حركة المرور مهمة تخطيط المدن، حيث تم استبدال كل ما هو تقليدي بالنظريات والأيدلوجيات الجديدة كأساس للتخطيط، فقد أصبحت الحداثة أمراً مؤثراً للغاية مع رؤيتها للمدينة كآلة بأجزاء وظيفية منفصلة، حيث يتم اتخاذ قرارت تخطيط المدن وتشييدها على ألواح وأوراق الرسم ولا يستغرق ذلك الكثير من الوقت لترجمة تلك القرارات إلى واقع ملموس.

لم يعر مخططو المدن ومخططو حركة المرور أي اهتمام بالأماكن العامة في المدينة، ولسنوات لم يكن لديهم أي معرفة أو إدراك بعواقب هذا النموذج التخطيطي على سلوك الناس، فتحولت المدن إلى مسرح تتنافس فيها الأعمال المعمارية وركزت على التصاميم الجذابة التي تستقطب أنظار الناس إليها مع عدم اهتمام بالفضاءات العمرانية وحياة الإنسان، فقد أهمل البعد الإنساني وانصب الاهتمام بشكل عشوائي على موضوع التخطيط العمراني.

يُعزى هذا الإهمال في المدن المتقدمة اقتصاديًا بشكل كبير إلى أيديولوجيات التخطيط، فضلاً عن الاستخدام المتزايد للمركبات، والصعوبات التي تواجه التحول من النمط الذي تكون فيه الحياة جزءًا من التقاليد إلى النمط الذي تتطلب فيه الحياة إسناداً فاعلاً للتخطيط الدقيق، أما في المدن التي تشهد نمواً متسارعاً في الدول النامية، فإن نمو عددالسكان، وتوفر الفرص الاقتصادية، إلى جانب التطور المطرد الذي تشهده الحركة المرورية أدى بدوره إلى تفاقم المشاكل في شوارع المدينة.

ولكن بعد مضي ما يقارب خمسين سنة من الإهمال نجد أن هناك حاجة ملحة ورغبة متزايدة في القرن الحادي والعشرين للاهتمام بالبعد الإنساني، فالنظرة إلى الحياة في المدينة كعنصر تخطيطي، ومفهوم العلاقة بين الشكل المادي وسلوك الإنسان قد تغيرت، فقد ثبت مؤخراً أن دمج البعد الإنساني في تخطيط المدن، والاهتمام بسكان المدينة أداة هامة لتحقيق مدن أكثر حيوية وصحية وآمنة ومستدامة، وهي في الواقع أهداف تخطيط مدن القرن الحادي والعشرين.

أ. د. عبدالله محمد العابد

أستاذ التصميم العمراني والإسكان 

كلية العمارة والتخطيط

0
قم بتقييم هذا المحتوى

إضافة تعليق جديد

Image CAPTCHA