لماذا لا تعمل؟

 

 

في الساعة السابعة والنصف صباحًا من كل يوم يستيقظ شاب في مقتبل العمر لينطلق إلى جامعته، لم يحب الدراسة يومًا لكنه يدير نفسه ومصالحه جيدًا، وفور أن ينتهي في الساعة الثانية مساءً، يأكل ويستريح لينطلق ثانية إلى عمله من الساعة الرابعة عصراً حتى العاشرة مساءً، ويرجع منهكًا، كل ما يريده هو الأكل والنوم، ويفكر حاليًا في الانضمام لأحد تطبيقات سيارات الأجرة ليشغل أوقات فراغه في أيام إجازة الأسبوع بالعمل سائقًا، ليس حاجة للمال، ولم يدفعه أبواه إلى كل ذلك.

ذلك الشاب هو أخي، كما قلت هو متمكن وذكي ومدير جيد لوقته ومستقبله فهو يقبل على ما هو في صالحه حتى وإن لم يكن يرغبه, لكنه بالمقابل لا يحرم نفسه شيئًا، فقد كان وما زال من هواة ألعاب الجوال والبلايستيشن، لذا لم يتذمر يومًا, بل على العكس ولله الحمد لديه استقرار مادي ومعنوي قلما وجد لدى من هم في مثل عمره.

وقد قرأت يومًا أن راحة القلب في العمل، وأن السعادة هي أن تكون مشغولًا إلى حدّ لا تنتبه معه أنّك تعيس.

في مكان آخر من العالم تحديدًا في أمستردام في يوم بارد من أمام بستان أخضر مذهل، دخلت إلى مقهى مجاور طلبًا للدفء فوجدت ثلاثة عاملين «شابين وفتاة» يتكئون على طاولة تحمل كتبهم وحقائبهم، مرة يأخذون طلبات الزبائن ومرة يراجعون دروسهم، تمنيت آنذاك أن يكون معي كتاب أدرسه ومريلة أرتديها للعمل والقيام ببعض الإنجازات البسيطة التي تعطيني ذلك الشعور من السعادة والرضا الذاتي الذي كان يعلو محياهم.

هذه الحالة من الجمع بين العمل والدراسة شائعة في الدول الأجنبية لأسباب متعددة، أولها أن الدراسة برسوم مكلفة، لكن بغض النظر عن ذلك هي كنز للإنسان في مقتبل حياته وعادة إيجابية ينبغي تداولها والاعتياد عليها بيننا.

طالما كنتَ شابًا نشيطًا شمر عن ساعديك واطمع بكثرة الإنجازات ليس فقط لتملأ بها صفحات سيرتك الذاتية، وهو أمر مهم لأن العمل أثناء الدراسة يحل لك أحد أكبر العوائق الوظيفية أمام حديثي التخرج وهو متطلب الخبرة, لكن أيضًا يكسبك المهارات المهنية التي لا تُدرّس كالتعامل مع أفراد يصعب التعامل معهم والعمل ضمن فريق وغيرها من المهارات الحياتية، وكذلك لتوسع معرفتك بمختلف العادات والثقافات وتبني شبكة علاقاتك, كما يساعدك على تنمية المسؤولية الاستهلاكية, فكبار تجار العالم أول ما يشيرون إليه في بداية مسيرتهم للثراء هو حسهم بالقيمة المالية، فكلما كان مالك نتيجة اجتهادك وعرق جبينك كلما كنت أكثر حرصًا عليه.

لكن عليك أن تدرك أن دراستك تفوق عملك أهمية، فيجب ألا يقل تحصيلك ولا يتدهور معدلك، فالتوازن بين الدراسة والعمل أمر مهم وليس صعبا، تمامًا كالموازنة بين الدراسة والأنشطة الاجتماعية لدى كل منا، رتب أولوياتك ونظم وقتك وابحث عن الخيارات التي تساعدك على عدم التفريط في أي منهما فهنالك مثلاً الدوام الجزئي وكثيرًا ما تتيحه المؤسسات لأجل الطلاب، ويكون حوالي أربع ساعات يوميًا أو العمل المرن والذي يكون نصابًا محددًا من الساعات تؤديه في أوقات وأيام مختلفة حسبما يناسبك، كما أن هنالك العديد من الأعمال التي يمكن القيام بها عن بعد من المقهى أو المنزل والتي تتطلب مهارات معينة كالتسويق، والتصميم، وإدخال البيانات، وإدارة الشبكات الاجتماعية، والبحث المكتبي، وتطوير المواقع.

في النهاية إن كنت تمتلك الكثير من أوقات الفراغ بعد الدراسة فلماذا لا تعمل؟

 

ريما محمد التويجري

إعلام

0
قم بتقييم هذا المحتوى

إضافة تعليق جديد

Image CAPTCHA