وقفات أكاديمية

الهواتف الذكية في القاعات الدراسية
د. خليل اليحيا

الهواتف الذكية تؤثر على أنماط الحياة اليومية للناس وتستحوذ على قدر كبير من اهتماماتهم، حيث تشير بعض الدراسات الإستقصائية إلى أن أكثر من 80٪ من سكان العالم يستخدمون هواتفهم الذكية لقراءة الأخبار والرسائل النصية والرد عليها وتبادل الصور والتفاعل مع مواقع التواصل الاجتماعية. وبالتأكيد، فالهواتف الذكية تجعل التواصل مع الناس أكثر سهولة. حيث تحمل هذه الهواتف بعض الخصائص التي تساعد على تواصل أسرع بين الناس وتوفر خيارات تعليمية أفضل للمستخدمين، كما أنها تعمل على تعزيز التنمية الشخصية، وتساعد على تقديم أفكار مختلفة لتحقيق نجاحات شخصية ومهنية. وعلى المستوى الشخصي، أسمح لطلابي باستخدام الهواتف الذكية في القاعات الدراسية طالما أن هذا الإستخدام مرتبط بالعملية التعليمية. وعلى الطرف الآخر، تشكل الهواتف الذكية تهديداً للعملية التعليمية داخل القاعات الدراسية ومصدراً للإلهاء، حيث ينصرف كثير من الطلاب ذهنياً عن المحاضرة والانشغال بتصفح جوالاتهم والتواصل مع الآخرين من خلالها في الوقت الذي يجتهد فيه الأستاذ في شرح المادة العلمية وتقديمها للطلاب في قالب أسهل للفهم.
نعم، قد يكون أستاذ المادة عاملًا رئيسيًا لانصراف الطلاب عن المحاضرة والانشغال بجوالاتهم بسبب القالب الممل الذي يستخدمه هذا الأستاذ لإيصال المعلومة، أو قد يكون السبب وجود فجوة بين الأستاذ والطالب في مجال التعامل والتفاعل تدفع الطالب للبحث عن مصدر آخر للإنشغال به لتمضية وقت المحاضرة الطويل وتسجيل اسمه في كشف الحضور تفادياً لبلوغ الحد الأقصى للغياب المسموح، لكن أيضاً هناك نوعية من الطلاب قد دخلت في مرحلة الإدمان على استخدام الجوال بحيث لا يمكنها الاستغناء عنه أو الانصراف منه إلى أمر آخر، فأصبح هؤلاء الطلاب ذهنياً متعلقين به ويتصفحونه باستمرار في عملية تلقائية وعفوية بسبب هذا الإدمان. وكما أسمح لطلابي باستخدام الجوال في العملية التعليمية، أجدني مضطراً في أوقات أخرى لتحذيرهم باتخاذ قرار حازم بالإنتباه للمحاضرة أو الانصراف منها، إذ لا يليق أن يقف الأستاذ على قدميه مجتهداً في الشرح والتوضيح بينما هناك من الطلاب من يتهامسون وهم يتصفحون جوالاتهم ويضحكون على استحياء وهم يستعرضون بعض المقاطع والمواقع.
في بحث علمي تم إجراؤه في جامعة بلجيكية وكتبت عنه صحيفة الميل البريطانية ، وجد الباحثون أن الطلاب الذين يستخدمون جوالاتهم بكثرة في القاعات الدراسية معرضون للإخفاق وفقدان الدرجات، حيث أكد الباحثون أن استخدام الهاتف بشكل مكثف أعلى من المعتاد بمتوسط خمس مرات في محاضرة مدتها ساعة يتسبب في انخفاض في نتائج إمتحانات هؤلاء الطلاب بنسبة 5% مقارنة بطلاب آخرين يتجنبون استخدام جوالاتهم أثناء المحاضرة.
كما أظهرت أبحاث أخرى أن كثيراً من الطلاب ينظرون إلى هواتفهم الذكية كمصدر للترفيه وليس كأداة عمل، حيث تتولد رغبة جامحة لدى هؤلاء الطلاب في عدم تفويت أي شيء يحدث عبر الإنترنت والتفاعل المستمر مع أصدقائهم وحساباتهم الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي مما يؤدي إلى عدم التركيز والتشتت الذهني. بالإضافة إلى ذلك، قد يؤدي التبديل المستمر ذهاباً وإياباً بين محتوى المحاضرة والهواتف الذكية إلى زيادة الحمل المعرفي عند الطلاب وعدم الكفاءة وضعف القدرة على التحصيل والفهم والإستيعاب.
الهواتف الذكية هي من ضمن الأغراض الشخصية للطلاب ولها خصوصية كبيرة، ولا يصح أبداً وضع تشريعات للحد من استخدامها في القاعات الدراسية أثناء المحاضرات، فالطالب الجامعي يجب أن يكون على قدرٍ كبير من المسؤولية، ودور الجامعات هو توفير بيئة مثالية لتعزيز تلك المسؤولية، ويبقى دور أستاذ المادة مهماً في تجديد أدواته وتحديث محاضراته وتنويع أساليبه التعليمية لتحسين كفاءة التواصل مع الطلاب ومساعدتهم على اتخاذ القرار الصحيح بالانتباه للمحاضرة وترك استخدام الجوال إلى حين.  
كلية الطب
alkhaleel@ksu.edu.sa

 

0
قم بتقييم هذا المحتوى

إضافة تعليق جديد

Image CAPTCHA