نهاية مخيبة للآمال لمؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ «COP25»

فشل المتفاوضون في التوصل إلى اتفاق بشأن المادة السادسة من «اتفاقية باريس 2015»
«أعربت الوفود المشاركة عن أسفها لفشل التوصل إلى اتفاق وتم تأجيل كثير من الأمور لإجراء مزيد من المناقشات في مؤتمر «COP26» في بريطانيا العام المقبل»
«أهم غازات الاحتباس الحراري ثاني أكسيد الكربون والميثان وأكسيد النتروز وتتحمل هذه الغازات مسؤولية أكثر من 97 بالمائة من إجمالي الاحتباس الحراري»

أ.د. عبدالله بن ناصر الوليعي

قسم الجغرافيا، كلية الآداب

 

 

اختتم مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ «COP25» في مدريد في 15 ديسمبر 2019، حيث فشل المتفاوضون في التوصل إلى اتفاق بشأن المادة السادسة من اتفاقية باريس 2015 بشأن تفاصيل آليات سوق الكربون، وقد ركزت الوفود من نحو 200 دولة على المادة السادسة لاتفاقية باريس 2015 الخاصة بكيفية تنفيذ الاتفاق في بناء آلية سوق الكربون العالمية.

وفي الجلسة الختامية، أعربت الوفود المشاركة من معظم الدول عن أسفها لفشل التوصل إلى اتفاق بشأن المادة السادسة، وتم تأجيل الكثير من الأمور لإجراء مزيد من المناقشات في المؤتمر المقبل «COP26» في جلاسجو ببريطانيا العام المقبل. كما اختلف المشاركون بالطموحات الخاصة بمواجهة التغير المناخي، حيث يتطلع البعض إلى أهداف أكثر طموحاً، ولكن البعض الآخر يريد الالتزام بالأهداف المنصوص عليها في اتفاقية باريس. وبهذه المناسبة رأيت أنه من المناسب الحديث ولو باختصار شديد عن هذا الموضوع الشائك.

 

ظواهر جيولوجية غريبة

يشعر العلماء بالحيرة أمام بعض الظواهر الجيولوجية والتضاريسية التي تبدو غريبة في بيئتهم المناخية الحاضرة، فقد عُثر على حفريات وفيرة من عظام فرس النهر وأسنانه من نفس النوع الذي يعيش في شرقي أفريقيا اليوم في إرسابات فترة مناخية دفيئة بجنوب شرقي إنجلترا، ما يدل على أن قطعاناً من أفراس النهر عاشت هناك منذ نحو 100.000 عام في ظل ظروف ربما كانت مشابهة لظروف أفريقيا شبه المدارية.

وفي مواقع كثيرة وراء حافة البحيرات العظمى في المناطق الوسطى الشمالية للولايات المتحدة عثر على بقايا نباتية تدل على أن تلك المنطقة كانت فيما سبق تشبه المناطق القطبية مثل التي توجد حالياً في شمالي كندا. كما عثر على مرجان متحفر في الأحجار الجيرية القديمة في ألاسكا القطبية تعيش سلالته الحديثة في المياه المدارية الدافئة.

 

تغير مناخي

اكتشف علماء الجيولوجيا الذين استكشفوا المناطق الخالية من الجليد في القارة القطبية الجنوبية طبقات من الفحم تضم أحافير من النبات لا بد أنها تطلبت مناخاً رطباً ودافئاً كي تبقى، وفي كل حالة من تلك الحالات حدث تغير مهم في المناخ المحلي حيث تختلف النباتات الحاضرة بتلك المناطق عن الأشكال المتحفرة التي نراها محفوظة في السجل الجيولوجي.

وقد دلت الحفريات على تأكيد وجود بحيرات في الرُّبْع الخالي، فمن الحفريات التي وجدت في بطون البحيرات أسنان فرس نهر وكأنها قد فقدت بالأمس، والثور طويل القرن، والماعز والأغنام البرية، والحمير الوحشية، والجمال، والمها، والظباء. ولا بد أن هذه الحيوانات كانت في حاجة إلى الماء لكي تعيش في منطقة كالربع الخالي. كما وجدت أصداف محارية على بعد مئات الكيلومترات من أقرب بحر للربع الخالي، إضافة إلى أدوات حجرية منحوتة منتشرة في المناطق المجاورة للبحيرات.

 

محددات المناخ

يتحدد المناخ بواسطة عدد من العوامل المختلفة، ولكن أهمها جميعاً درجة الحرارة والمطر والغيوم والرياح، ويتكيف المجال الحيوي إلى حد بعيد مع المناخ، بحيث يوجد في كل منطقة مناخية مجموعة متميزة من الحيوانات والنباتات، ورغم أن الحيوانات والنباتات في بعض المناطق في حالة اتزان مع المناخ، فهي في مناطق أخرى قد تعرضت لتغير حديث أدى ببعض الأنواع إلى الهجرة أو الانقراض، وفي تلك المناطق قد لا تمثل الأنواع الحالية من النباتات والحيوانات مجموعة متميزة، بل مجموعة ما تزال تتكيف مع التغير البيئي، وإلى جانب الحفريات هناك أنواع أخرى من الملامح الجيولوجية الشاذة التي تدل على التغير المناخي من الحالة الرطبة إلى الحالة الجافة ثم العكس وهكذا.

 

إقرار بالتفاوت

وحقيقة أن الشتاء الماضي كان أشد برودة من الشتاء الذي سبقه، أو أن الصيف الماضي كان أكثر مطراً من الصيف الذي سبقه لا يعد دليلاً على أن المناخ في تغير مستمر فلا بد أن يقوم الإقرار بالتفاوتات المناخية على تغيرات في الظروف المتوسطة عبر عدد من الأعوام لا يتماثل فيها اثنان على الإطلاق. فإذا مرت عدة أعوام من الطقس غير العادي فلا يجوز أن يستنتج من ذلك أن التغير قائم، أما في حال استمرار اتجاهات معينة لعقود فقد يشير ذلك إلى تحول نحو حالة مناخية جديدة.

ولم يدرك الإنسان إلا حديثاً أن بوسعه في أثناء حياته أن يلاحظ التغير على مناخات العالم بصورة ملحوظة، وصاحب ذلك الإدراك قلق متزايد من تأثير هذه التغيرات على الأحوال السائدة في المجتمع، وكذا الأثر المحتمل للأنشطة البشرية في مناخ الأرض.

 

أسباب التغير المناخي

هناك أسباب محتملة عديدة قد تفسر التغير المناخي، ولكن يصعب ترجيح أحدها على الآخر، وتعد معرفة أسباب التغير المناخي مهمة جداً لأننا لو عرفنا - مثلاً - أن الأنشطة البشرية كحرق الوقود الحفري «فحم، نفط، غاز طبيعي» من أسباب التغير المناخي لصار بإمكاننا معالجة هذا الوضع عن طريق التقليل من حرق هذا الوقود والبحث عن بدائل أقل ضرراً. ولكن إذا كان التغير المناخي محكومًاً بعمليات طبيعية فقط فلن نهتم بأثر الأنشطة البشرية على الغلاف الجوي وما قد يسببه ذلك من تغير مناخي، ومن الأسباب الرئيسية التي يعتقد أنها تسبب التغير المناخي العوامل الفلكية، والعوامل الجيولوجية، وتغيير البشر لملامح سطح الأرض وتركيب الغلاف الجوي.

 

التسخين الحراري

لقد أكد العلماء أن التسخين الحراري يرجع جزئياً على الأقل إلى انبعاث ثاني أكسيد الكربون بسبب الأنشطة البشرية، وحذروا من أنه ما لم تنقص مخرجات ثاني أكسيد الكربون بنسبة كبيرة فإن معدل درجة الحرارة العالمية قد يزيد بحدود أربع درجات مئوية خلال القرن الواحد والعشرين، ورغم هذا الإجماع، هناك مجموعة من الأمور غير مؤكدة، فنحن لا نعرف على نحو اليقين السرعة التي تتزايد بها نسبة ثاني أكسيد الكربون، إذ إن هذا يتوقف على مدى استمرار استخدام العالم للوقود الحفري بأنواعه. كما أننا لا نعرف ما إذا كان الماء -الذي له الدور الأكبر في توجيه المناخ- سيتأثر بزيادة ثاني أكسيد الكربون، ولذلك فدورنا هو التخمين فقط عن التأثيرات المكانية للتسخين الحراري مثل: هل ستتغير مسارات العواصف والمنخفضات الجوية الحركية؟ هل ستتغير كمية ما يستقبله مكان ما من أمطار وثلوج أو حرارة؟ كيف ستتأثر النباتات والحيوانات؟ كيف ستؤثر هذه الأمور على مستوى سطح البحر، واستهلاك الطاقة على مستوى العالم، وكميات الغذاء العالمي؟

 

عوامل الخطورة

من أكثر آثار التسخين الحراري خطورة هو الارتفاع العالمي في مستوى سطح البحر بمقدار متر إلى خمسة أمتار مما سيهدد الناس الذين يعيشون قرب السواحل، وربما لا يأتي الخطر من غرق مفاجئ، لكن الخطر الداهم قد يكون من العواصف المدمرة التي تهب أحياناً على السواحل وتسبب أمواجاً عاتية قد تحمل مياه البحر بعيداً نحو الداخل.

ومن العواقب الأخرى للتسخين الحراري إنقاص كميات المياه في بعض المناطق عن طريق زيادة التبخر والنتح evapotranspiration التي تؤدي إلى زيادة في العجز المائي. ويؤكد بعض العلماء أن التسخين الحراري قد يؤدي إلى مزيد من الأمطار مما سيعوض الزيادة في التبخر والنتح، كما أنه قد يطيل مواسم الزراعة في مناطق لم تعهد ذلك مثل العروض الوسطى والشمالية العالمية.

 

غازات الاحتباس الحراري

يتألف الغلاف الجوي بشكل أساسي من النتروجين والأكسجين، ويواجه هذان الغازان صعوبات جمّة في التقاط الإشعاع الحراري وفي الحركة المتذبذبة، لذلك لا يندرجان ضمن غازات الاحتباس الحراري، أما الجزيئات الأخرى فتتمتع ببنية تُساعدها على التقاط الحرارة. 

ويُعد بخار الماء أبرز غازات الاحتباس الحراري، إلا أنه يظل عالقاً في الغلاف الجوي لفترة وجيزة ليس إلا، وتتأثر كمية بخار الماء الموجودة في الغلاف الجوي بفعل غازات الاحتباس الحراري الأخرى لأن الهواء الأكثر سخونة يسبب المزيد من التبخر من المحيطات على الأخص. 

ولذلك يتركز النقاش الدائر حول ظاهرة الاحتباس الحراري المتولدة بفعل الإنسان على ما يسمى بغازات الاحتباس الحراري «طويلة الأمد»، والتي من أهمها غازات ثاني أكسيد الكربون والميثان وأكسيد النتروز والكلوروفلوروكربون، وتتحمل هذه الغازات مسؤولية أكثر من 97 بالمائة من إجمالي التأثير المباشر للغازات طويلة العمر وتأثيرها على كمية الحرارة التي يتم احتجازها داخل الغلاف الجوي.

 

تفاسير متعارضة 

هناك فريق يعارض هذه التفاسير، ويرى أن هناك العديد من الأسباب التي تدعو إلى عدم التأكد من تسبب زيادة ظاهرة الاحتباس الحراري في ارتفاع درجة الحرارة على سطح الأرض، إذ يرى أن هناك دورات لارتفاع وانخفاض درجة حرارة سطح الأرض، وأن مناخ الأرض يشهد طبيعياً فترات ساخنة وفترات باردة؛ مستشهدين بالفترة الجليدية أو الباردة ما بين القرن 17 و18 في أوروبا، وأن ارتفاعاً في درجة حرارة الأرض بدأ من عام 1900م واستمر حتى منتصف الأربعينيات، ثم بدأت في الانخفاض في الفترة بين منتصف الأربعينيات ومنتصف السبعينيات، حتى إنهم تنبؤوا بقرب حدوث عصر جليدي آخر، ثم بدأت درجة حرارة الأرض في الارتفاع مرة أخرى، وبدأ مع الثمانينيات فكرة تسبب زيادة ظاهرة الاحتباس الحراري في ارتفاع درجة حرارة الأرض.

 

نظام مناخي معقد

ويؤكدون على قصور برامج الحاسوب التي تستخدم للتنبؤ باحتمالات التغيرات المناخية المستقبلية في مضاهاة نظام المناخ للكرة الأرضية، لأنهم يرون أن هذا النظام المناخي «معقد» وما يؤثر به هي مؤثرات شديدة التعقيد، تفوق قدرات أسرع وأذكى أجهزة الحواسيب وقدرات العلماء ما زالت ضئيلة مما يصعب أو يستحيل معه التنبؤ الصحيح بالتغيرات المناخية طويلة الأمد.

هذا التفسير يريح كثيراً من الدول الملوثة ويتيح لها التهرب من مسؤوليتها أو من ذنبها في ارتفاع درجات الحرارة، ولو تمعنا في الشكل المرفق عن مدينة الرياض لرأينا أن درجات الحرارة شهدت تقلبات خلال 35 عاماً الأخيرة بين مد وجزر، لكن هناك نزعة بسيطة للارتفاع على غير المعهود وبخاصة في الصيف، ولذلك بدأ الحديث يدور بين الناس عن تأخر بداية زراعة بعض المحاصيل وحصادها، كما بدئ باستخدام المكيفات في مناطق لم تعهد ذلك.

0
قم بتقييم هذا المحتوى

إضافة تعليق جديد

Image CAPTCHA