«بنات الأفكار».. ملكية فكرية

لا شك أن كل شخص منا مجبول على الغيرة وحب التملك، فيغار على ماله وعرضه ومحارمه، وذلك منذ أن خُلقت البشرية، كما أنه يغار على أمواله وممتلكاته ويحرص على المحافظة عليها وتنميتها كذلك، وهذا أمر طبعي لا يختلف فيه اثنان، ولا يتناطح فيه كبشان.

ما أود التركيز عليه في هذا المقام هو أن غيرة الشخص على «بنات أفكاره» تعادل غيرته على ما سبق ذكره، وقد تكون أشدّ، حيث إن الشخص يولد وحيداً، فتراه إذا كتب مقالاً ينسبه إلى نفسه، ويكون هذا الكاتب أحياناً ليس لديه مال ولا زوجة ولا بنت أو ولد، حتى يغار عليهم؛ كما يغار على خواطره وأفكاره، إذن فكأن الغيْرة على الأفكار أصل حيث لا تتعلّق بشيء مادي.

أما القول المشهور بين الناس «إن غيرة الشعراء على بنات الأفكار، كغيرتهم على البنات الأبكار»، فلا شكّ أن ظاهر العبارة يومئ إلى أن الغيرة مختصة بالشعراء أكثر من غيرهم، وهذا شيء معقول، باعتبار أن الشعر ليس مجرد أوزان وقوافٍ بل هو إبداع في التفكير وتفريغ للأحاسيس والعواطف في قالب من التفكير الرزين، المفعَم بالخيال العميق، بحيث يشعر قارئه أنه انتقل من عالَم إلى عالم آخر، إذن فالشعر في جوهره عملية إبداع فكري عميق، لذلك ليس مستغرباً أن يكون المقصود بالعبارة السابقة غيرة الشعراء على «بنات أفكارهم».

والحقيقة هي أن كلاً من الشعراء والكتاب يغارون على بنات أفكارهم، على حدّ سواء، حتى إنك لتجد هذه الظاهرة على مواقع التواصل الاجتماعي أحيانًا، كالفيسبوك، فصاحب النشر «الكاتب» ينسب تحت منشوراته، مقاله إلى نفسه، وذلك ببعض الكلمات مثلاً: من خواطري، أو بقلمي، وكذلك بعضهم يضعون أسماءهم، أو أسماء عائلتهم، كأنْ أكتب مثلاً تحت بعض منشوراتي، التي كنتُ أبًا لها «كوليبالي» أو غير ذلك من الألقاب والكُنى، بغضّ النظر عن نوع المنشور شعرًا كان أو نثرًا، وكذلك بغضّ النظر عن كمّيّته سطرًا كان أو سطرين فصاعدًا، أو ثلاثة أسطر، فكل ذلك إن دلّ على شيء فإنه يدل على غَيرة الشخص على بنات أفكاره، وخوفه من الاعتداء عليها من شخص آخر باعتبار ذلك سرقة أدبيّة وانتحالاً.

المقصود بـ«بنات الأفكار» ما لم نُسبق إليه من فكرة أو جملة أو عبارة، ومجمل القول أن الشخص المبتكر - منذ القدم - غيور على بنات أفكاره، ويسلك كلّ مسلك للذبّ عنها، والدفاع عنها بكل ما يراه مناسباً، ولا يلام أحد على ذلك، لأنها من حقه الذي لا يشاركه فيه سواه، مهما بلغت قواه.

 

كوليبالي عبدالله

كوت ديفوار «ساحل العاج» 

معهد اللغويات العربية

0
قم بتقييم هذا المحتوى

إضافة تعليق جديد

Image CAPTCHA