الوهم الأكبر

 

سألني أصدقائي الطلاب عن «الأوهام الخمسة لعلم السياسة» وباغتني أحدهم بابتسامة لافتة، دكتور تسمح بسؤال، هل يوجد أوهام أخرى؟ تابعه صديق آخر، في ذات المكان، وقبل الدخول للمحاضرة، لماذا نقول وهم ولا نتحدث عن كذب أو خيانة أو أي صفة غير جيدة؟ 

جاء من خلفي صوت ينادي دكتور أحمد لو تكرمت، اسمح لي أن أحدثك على انفراد، ابتسمت له بفرح وأشرت إليه بترحيب، وقلت بعد المحاضرة شرفني في المكتب. 

وهنا لابد من وقفة حازمة مع أعزائي الطلاب، وقت المحاضرة يا شباب، النجاح يلزمه التزام في العمل والمثابرة عليه، وكل أسئلتكم مرحبٌ بها في الوقت المناسب لكم على مدار الأسبوع.

بعد انتهاء المحاضرة، قدم الصديق الذي طلب لقاءً منفرداً، سرنا سويًا حتى وصلنا إلى المكتب، وكان السؤال الذي شغل بال صديقي، كيف نتخلص من الأوهام عن علم السياسة؟

أسعدني السؤال وراق لي كثيرًا، وطلبت منه أن يتابع صحيفة «رسالة الجامعة» ليجد إجابة عن سؤاله، وأسئلة أصدقائنا الطلاب، فقال: أبشر، واستأذن وانصرف.

لا أخفي سرًا، أن مقالة «الأوهام الخمسة عن علم السياسة» أعقبها سيل من الترحيب والإعجاب، وطرح الأسئلة، من طلاب متميزين، يستحقون مزيداً من البذل والعطاء؛ لنحقق سويًا نهضة المملكة وشعبها، تحت القيادة الحكيمة لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان حفظهما الله.

أما عن لماذا نقول «وهم» ولا نقول «كذب» أو «خيانة»، أو غير ذلك من صفات سلبية تلاحق علم السياسة، فلأسباب ليس محلها هنا، فالوهم يخالف الواقع، ويفرض قيوداً تمنعك من التقدم أو محاولة الخروج منه، وهذا جزء من واقع علم السياسة في العالم العربي والإسلامي.

أما صفات الخيانة أو الكذب، فلا تتوافر في العربي والمسلم، وبخصوص صفات الكذب والخيانة يمكن مشاهدتها والتفاعل معها، بخلاف الوهم الذي يسكن داخل الإنسان ويفرض عليه قيودًا قد لا يراها غيره.

وأعتقد أن الوهم الأكبر الذي يلاحق طلاب علم السياسة، أن يطلق عليه لفظ علماني؟ فكأن طلاب وأساتذة علم السياسة علمانيون، يا سادة علم السياسة علم له أصوله، ونظرياته التي تغطي كل الاتجاهات الفكرية من اليمين إلى اليسار، ولم تكتف باتجاه واحد فقط، بل إن النظريات الغربية في مجملها كثيرًا ما تشهد مراجعات باستمرار، بما يتناسب مع التطورات الداخلية والعالمية، ولا يخفى على المتابعين للتطورات النظرية في علم السياسة تزايد الاهتمامات بالجانب أو البعد الثقافي في التحليل السياسي، التي أطلقتها الجمعية الأمريكية لعلم السياسة. 

أعتقد أن الانفتاح على كافة العلوم والقراءة الجيدة والمتأنية ليست علمانية، فديننا الحنيف دعانا إلى ذلك منذ قرون مضت، فضلاً عن أن علم السياسة كغيره من العلوم حتى لو أصوله غربية في تطوراته الحديثة، فإن علماء السياسة في العالم العربي يبذلون جهوداً مضنية من أجل وضع بصمة عربية وإسلامية له، بما يتناسب وواقعنا المعاش والخروج منه إلى الواقع المأمول.

والمملكة لها خصوصية في هذا الأمر، فنظامها الأساسي ينص في صدر مادته الأولى على أن دستورها كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وفي المادة السابعة يؤكد على أن الحكم يستمد من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم أيضًا.

كما أن طلاب العلوم السياسية في جامعة الملك سعود يدرسون مواد كثيرة عن نظام الحكم في الإسلام والفكر السياسي الإسلامي، والنظام السياسي في الإسلام، فضلاً عن مقررات سلم وعرب، فمن يقبل بهذا الوهم! 

عزيزي الطالب، عندما يقال لك إنك علماني، فكن حكيمًا في ردك، وأخبر من يقول لك ذلك، أنك مواطن سعودي عربي مسلم، أتعلم كيف أحافظ على دولتي العظيمة، وأدافع عنها عندما تناديني بلا تردد، وأنك فارس في حلبة دولتك وجاهز لتلبية دعوة قادتها الحكماء، وأنك مثل الجراح الماهر، ينشغل بقضايا وطنه وأمته، ويساعد في تحقيق نهضتها.

وفيما يتعلق بكيفية علاج هذه الأوهام، أعتقد أنه يستحق مقالًا قادمًا، نفصل فيه كيفية العلاج إن شاء الله تعالى، فإلى لقاء قريب.

 

د. أحمد خميس

أستاذ مساعد بكلية الحقوق والعلوم السياسية

0
قم بتقييم هذا المحتوى

إضافة تعليق جديد

Image CAPTCHA