فائدة لغوية

الفصحى والعامية

حين نزل القرآن الكريم على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، لم يكن عرب الجزيرة على لغة «فصحى» واحدة، بل كان هناك عدة لغات ولهجات، منها لغة قريش ولغة بني تميم ولغة بني هذيل، ولم تكن الفروق بين تلك اللغات واللهجات كبيرة أو جوهرية، وكانت لغة قريش «أهل الحجاز» هي السائدة لاعتبارات دينية وسياسية واقتصادية، لذلك نجد القرآن الكريم نزل في مجمله بما يوافق لغة أهل الحجاز.

وبنزول القرآن الكريم ازداد الاهتمام باللغة العربية الفصحى وسعى العلماء والقراء إلى المحافظة عليها وتعليمها للناس، وبعد انتشار الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها ودخول الناس في دين الله أفواجاً بدأ اللحن يدخل إلى اللغة العربية وينتشر على لسان العامة والخاصة، مما استدعى المهتمين من القراء والعلماء والمشايخ لتدارك الأمر حفاظاً على اللغة العربية لغة القرآن الكريم.

يعد نزول القرآن الكريم وتعهد الله سبحانه وتعالى بحفظه {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} أمراً غير مباشر لحفظ اللغة العربية على الصورة والهيئة التي أنزل عليها القرآن الكريم، ويعد القرآن مصدر معظم العلوم التي ظهرت في عصر صدر الإسلام وما بعده من العصور، وعلى رأسها علم النحو واللغة والصرف والبلاغة، ثم التفسير والتجويد والقراءات.

وبعد انتشار الإسلام شرقاً وغرباً ودخول الناس في دين الله أفواجاً، ومع تعدد اللهجات بين العرب، بدأ يظهر اللحن على ألسنة الناس، عامتهم وخاصتهم، ووصل الأمر إلى القرآن الكريم الذي لم تكن حروفه قد نقطت بعد أو ضبطت بحركات الإعراب، مما دفع الغيورين لبدء وضع القواعد التي تحفظ اللغة من الضياع والاندثار.

ما يُذكر عن تعدد اللهجات العربية منذ العصر الجاهلي صحيح في ظاهره، إذ كان لكل قبيلة لغة تختلف في بعض ألفاظها ومفرداتها عن لغات القبائل الأخرى، وأبرز الأمثلة على ذلك اختلاف لغتي (قريش) و(بني تميم) في (النبر) أي نطق الهمزة الساكنة في وسطة الكلمة، إذ كانت (تميم) تنبر فتقول (كأس) و(بئر) و(قريش) لا تنبر فتقول (كاس) و(بير)، وقد نزل القرآن الكريم في هذه المسألة بلغة بني تميم.

ومن الأمثلة كذلك اختلاف لغة (بني حِميَر) في جنوب الجزيرة العربية عن باقي لغات ولهجات العرب في نطق (لام التعريف) ميماً، ومن شواهدها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مخاطباً وفداً زاره من تلك القبيلة: (ليس من امبر امصيام في امسفر).

ومع انتشار الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، ودخول الناس في دين الله أفواجاً؛ بدأت تلك الفوارق والاختلافات تزداد ظهوراً واتساعاً وعمقاً، وبدأ يظهر «اللحن» أي «الخطأ» في بنية الألفاظ وتركيب الجمل، حتى وصل إلى القرآن الكريم، حيث لم تكن آياته وألفاظه قد نقطت أو ضبطت بعد.

ومن الأمثلة على ذلك أن قوله تعالى في سورة التوبة {وَأَذَانٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ... الآية} قُرئت (وَرَسُولِهِ) بكسر اللام، وهو لحنٌ خطير يغير المعنى بشكل كبير.

كل ذلك دفع الغيورين من العلماء والقراء إلى المبادرة بوضع قواعد تحفظ اللغة العربية، لغة القرآن الكريم، من الخطأ واللحن، فبادروا بضبط ألفاظ القرآن الكريم تنقيطاً وإعراباً، وسعوا لجمع كلام العرب ووضع القواعد الضابطة له والناظمة لألفاظه وتراكيبه، ونتيجة لذلك ظهرت علوم اللغة العربية وعلى رأسها النحو ثم الصرف والبلاغة والنقد، وبدأ تدوين تلك العلوم وتعليمها للناس.

رضوان عدنان بكري

0
قم بتقييم هذا المحتوى

إضافة تعليق جديد

Image CAPTCHA