الانفتاح السياحي امتداد لرؤية المؤسس

 

 

في قراءتنا لتاريخ الملك عبدالعزيز, مؤسس هذه البلاد, سنجد أن فتح المملكة العربية السعودية هذه الأيام أبوابها للسياح من مختلف دول العالم هو امتداد لما كان ينادي به المؤسس رحمه الله.

ولكن قبل الخوض في شرح ذلك أود أن ألفت عناية القارئ أن الانفتاح السياحي هو أحد خطوات تنفيذ رؤية 2030 في تنويع مصادر الدخل التي أعلن عنها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان منذ 2016.

ولكن هل فعلاً أن رؤية 2030 تهدف من وراء فتح باب السياحة للكسب المادي فقط؟! لا أظن ذلك، قد يتبادر للذهن أن هذه الخطوة تستهدف فقط القطاع الاقتصادي, وأن كلمة «سياحة» أو «سياح» قد تبرر لهذا الذهن هذا التصور، ولكن, في رأيي الشخصي فإن العائد الثقافي والمعرفي سيكون له مردود موازٍ للمردود الاقتصادي، إن لم يكن أعلى.

أستطيع أن أشرح هذا الرأي إذا تصورنا أن السياحة إحدى وسائل التواصل البشري المهمة في الوقت الحاضر، فعن طريقها يستطيع السائح التعرف على ثقافة وتراث البلد الذي يزوره، وربما يكون هذا الهدف من أهم دوافع السائح للسياحة, وربما تكون أكثر من تفكيره في التسوق أو الاستجمام بطقس ذلك البلد أو الاستراحة في أفخم فنادقه أو الاستمتاع بألذ مطاعمه، إن المكسب الثقافي والمعرفي ربما يكون أعظم المكاسب التي يجنيها السائح من سياحته في البلدان.

إن رؤية 2030 لم تقتصر على الإنعاش الاقتصادي فحسب, بل امتدت أهدافها لتشمل إبراز الهوية الوطنية السعودية للثقافات الأخرى, هذه الهوية التي بدأت تظهر ملامحها منذ تأسيس هذا الكيان العظيم على يد المغفور له الملك عبدالعزيز، ولكن ما مدى علاقة هذه الرؤية وامتدادها برؤية المؤسس في الانفتاح على الآخر؟!

كل هذا سيتضح من خلال الوقوف على المقابلة التي جرت بين المستشرق «روم لانداو» Rom Landau والملك عبدالعزيز في شهر مارس عام 1937 وبالتحديد في الشميسي بين مكة وجدة، حيث ركز لانداو في أسئلته على كيفية تعامل جلالته مع الغرب وتأثير أيديولوجياته في ظل العقيدة والثقافة الإسلامية السائدة في المملكة العربية السعودية في ذلك الوقت, والتي كان ينظر لها الغرب على أنها متشددة!

وكان سؤال لانداو الأول للملك: «هل تجدون أن من الممكن الاستمرار بإجراء معاملاتكم السياسية على أساس معتقداتكم الدينية؟». فأجابه الملك: «نعم, إنني لا أعتقد أن بإمكان المرء أن يحكم دولة من دون أساس ديني». فأكد الملك التزامه بهذا المبدأ حاضراً ومستقبلاً.

فسأل لانداو مرة أخرى: «ولكن أليست هناك حالات كثيرة لا يمكن فيها التوفيق بين الإسلام والسياسة التي تقتضيها الظروف المتغيرة في زماننا الحاضر؟». هنا وجد الملك عبدالعزيز الفرصة لتصحيح هذا التصور الخاطئ عن الإسلام ومبادئه أولاً وللإفصاح عن رؤيته ثانياً، فقال: «في كثير من الأحيان توجد لدى الأجانب فكرة خاطئة عن الإسلام، الإسلام ربما كان أكثر الأديان عملية، الإسلام يسمح لك أن تُدخِل مبتكرات مثل السيارة والراديو،...».

في هذا الصدد قال لانداو: «تكوَّن لديَّ انطباع بأنه لم يكن يتكلم إلي وحدي بل أيضاً إلى الذين كانوا يجلسون في مؤخرة الخيمة». لم يحدد لانداو من هم المعنيين ولكنه توقع «ربما كانوا من أبناء الملك أو الوزراء أو علماء الدين». وأكد لانداو أن الملك كان «يستغل المناسبة للحديث إليهم بصورة غير مباشرة».

واستطرد الملك قائلاً: «إن الإسلام يعترف بكل شيء يؤدي إلى تحسين ظروف الحياة طالما أن هذه التحسينات لا تؤدي إلى القضاء على التعاليم الأساسية للرسول صلى الله عليه وسلم، إن الإسلام يؤيد مثل هذه المبتكرات لأن الإسلام يعمل على تحسين حياتنا الجسدية والروحية في آن واحد».

وهنا جاء سؤال لانداو التالي: «هل تعتبرون جلالتكم أن مهمة المملكة العربية السعودية هي أن تكون جسراً بين روحية الشرق ومادية الغرب؟ وإذا كان الأمر كذلك ما هي الوسائل التي يمكن استخدامها في تحقيق هذه الغاية؟».

أجاب الملك: «لدى كل الدول الإسلامية مهمة مثل هذا القبيل، ويعتمد النجاح في تنفيذ هذه المهمة على مدى التعاون مع الغرب, لأننا لا نستطيع تنفيذها إلا بفتح أعيننا على حقيقة الإسلام وجعلكم تدركون المزيد بشأن أنفسنا وبلادنا، ومن ناحية أخرى يجب علينا أن نتعلم المزيد عنكم وعن أسلوب حياتكم، إن الأمر يعتمد على التفاهم المشترك، لدينا في الوقت الحاضر الكثير من الأفكار الخاطئة عن الغرب, كما لديكم الكثير من الأفكار الخاطئة عنا وعن الاسلام, وبالمعرفة المتبادلة وحدها يمكن للعالم الإسلامي أن يقيم الجسر المطلوب للتعاون والتفاهم».

بهذه الإجابة أفصح الملك عبدالعزيز طيب الله ثراه عن رؤيته تجاه الآخر وعن كيفية التواصل معه, والتي أرى أن الانفتاح السياحي خير وسيلة الآن لتعزيزها, حيث رأى الملك عبدالعزيز أنها الطريقة المثلى لإقامة الجسر المطلوب بين الشرق والغرب.

هكذا قد تكون رؤية 2030 من خلال فتح باب السياحة امتداداً لرؤية المؤسس فيما يخص سياسة التعارف المتبادل»، إن فتح الأبواب للسياح من مختلف دول العالم قد تكون الفرصة السانحة التي تساعد العالم للتعرف على حقيقة معتقدنا الديني المعتدل وثقافتنا الأصيلة المنبثقة من خُلق الإنسان العربي الكريم والوفي الذي لا يجد غضاضة في إكرام الضيف واستضافته والتعبير عن عاداته وتقاليده التليدة.

إنها فرصة عظيمة, من خلال الانفتاح السياحي, أن نخوض هذه التجربة، وأنا واثق كل الثقة أن مجتمعنا بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان وولي عهده الأمير محمد بن سلمان حفظهما الله، سيحدثان نقلة عالمية هائلة في تصحيح ما علق من تشويه, بقصد أو بغير قصد, بمعتقدنا الديني السمح وثقافتنا التعايشية, وفي الوقت ذاته سيتعرف المجتمع السعودي على ثقافة الآخر عن قرب وتصحيح ما قد أُثير بشكل غير صحيح عن ثقافات الأمم الأخرى.

 

د. فارس المشرافي

أستاذ مساعد التاريخ الحديث

0
قم بتقييم هذا المحتوى

إضافة تعليق جديد

Image CAPTCHA