د. المكينزي يستعرض محطات شكلت منعطفاً في حياته وشخصيات أثرت في مسيرته

أستاذ مشارك بقسم الإعلام وشخصية إعلامية واجتماعية لامعة

 

آه على أيام زمان، عشتها بحلوها ومرها في هذه الجامعة، وسيعيشها ويتذكرها قارئ هذه السطور في يوم قادم، كاتب هذه السطور تمتزج عواطفه وتختلج مشاعره وهو يغوص في مواقف متنوعة ومحطات شكلت منعطفاً في حياته وشخصيات أثرت في مسيرته، قدم هذا الشاب من ثانوية أبي تمام في «عتيقة» أحد أحياء الرياض القديمة، ليصبح فجأة «طالباً جامعياً» يعتمر «العقال» ويقف أمام كلية الآداب العتيدة في الملز، ثم يدخل منبهراً ليقابل أساتذة كبار وينهل من علمهم طيلة فترة المرحلة الجامعية.

 

السعودي الوحيد

كنت أحضر بإعجاب وشغف لمحاضرة «مقدمة في الاتصال» للإذاعي اللامع «فائق فهيم» بأدائه الاتصالي المبهر وإجادته لعدد من اللغات، لأدلف بعدها مع شخصية ذات وهج تتوغل في طرحها الفلسفي الوقور كالدكتور «عمر الخطيب». أما السعودي الوحيد فكان د. عبدالرحمن الشبيلي بقامته الممشوقة وصوته الإذاعي وأدائه الأكاديمي الأنيق الذي يدرسنا «الإعلام السعودي»، فضلاً عن كوكبة من أساتذة الإعلام الشباب – آنذاك - العائدين من البعثة ومنهم: د. طلال عشقي، د. محمد كامل خطاب، د. ساعد الحارثي، والأخير كان يضج حيوية ونشاطًا في أروقة الكلية وعالم الصحافة، وكان مكتبه مثابة للطلاب وفتح قلبه وذهنه في حوارات ثرية ونقاشات تتيح مساحة واسعة من الحرية للشباب.

 

االمطبخ الصحفي

كان الطلاب يتهافتون على صحيفة «رسالة الجامعة» التي كانت مطبخًا صحفيًا ينضج به طلاب الإعلام مهاريًا، وكان يتولى صحفي محترف من مصر الشقيقة «مراد عز العرب» سكرتارية التحرير وكان مكتبه في مبنى مستقل عن الكلية مفتوحًا للشباب المتطلع ليسجل اسمه في سماء الإعلام، وكنت أرى بعين الهيبة والاحترام طلاب المستويات الأخيرة الذين اقتحموا العمل الصحفي وأصبح اسمهم في ترويسة الجريدة ومنهم زملاء تسنموا مواقع هامة في خدمة الوطن، أتذكر منهم: عبدالعزيز العقيلي، هاني وفا، سليمان العقيلي، تركي العيار، خالد الصفيان، ناصر الشدوخي، وفوزية العريفي.

 

أول عمل صحفي

لقد مثَّل أول يوم خطوت فيه عتبة «رسالة الجامعة» نقطة تحول في مسيرتي العملية، وكنت مندفعا بحماس لأكون في بلاط صاحبة الجلالة بوهجها الساحر ومكانتها المجتمعية، ولن أنسى أول عمل صحفي لي وهو خبر صغير عن أحد الأنشطة الطلابية بالجامعة، وكم كان لظهور ذلك الخبر على صفحات الأخبار تسبقه عبارة «كتب: عادل المكينزي» من أثر في نفس هذا الطالب المستجد بل ومجتمعه الصغير فكان حديث العائلة وشاغلهم، لأستمر في «رسالة الجامعة» عبر ممارسة طورت مهاراتي التحريرية.

 

صوت الطالب

عندما تسلم الدكتور ساعد العرابي الحارثي الإشراف على إدارة وتحرير صحيفة «رسالة الجامعة» خصص زاوية أسبوعية تناقش هموم وتطلعات طلاب الجامعة بعنوان «عاجل جدا» وأتاح من خلالها للطلاب مساحة واسعة من الحرية، ما جعل من تلك الزاوية صوت الطالب ومحط اهتمامه ومتابعته عند صدور الرسالة كل سبت، ولا أنسى «أحمد فؤاد» الذي تولى سكرتارية الرسالة فكان نعم الموجه والإداري الذي درب العشرات من الشباب السعودي وأصبحوا اليوم ملء السمع والبصر، وقد سعدت في نفس تلك الفترة بزمالة أساتذة كبار منهم: أ. د. نايف بن ثنيان آل سعود، د. علي دبكل العنزي، د. عبدالعزيز بن سلمه، اللواء عادل الشليل، د. صالح العندس، ورجل الأعمال خالد الديحان وآخرون.

 

منارة ثقافية

في تلك الأيام كانت كلية الآداب منارة ثقافية تعج بالأنشطة والندوات واللقاءات لأسماء لامعة في سماء العلم والإعلام والأدب، فكنت أخرج من المحاضرات الصفية لأجد أمامي الرجل الموسوعي «حسن ظاظا» أشهر المختصين في اللغة العربية واللغات السامية، لاسيما العبرية، يتدفق في محاضرة يطوف بنا بهدوئه المعهود ورشاقة نقلاته بين تجربته في حرب 1948 وتحليله النفسي للشخصية اليهودية ورؤيته لأثر اللغة في حضارات الشعوب، بعدها أجد عملاق الإخراج العالمي «مصطفى العقاد» يتحدث عن تجربته الصاعدة في هوليود فقد عمل مساعدا للمخرج العالمي «ألفرد هيتشكوك» وتدرب على يديه وهذا ما ساعده في ما بعد على إعداد مجموعة أفلام «الهالويين».

 

افتتاح الحرم الجامعي

شاركت ضمن اللجنة الثقافية بكلية الآداب بحضور اللقاء الحميمي في فندق حياة ريجنسي في ليلة الافتتاح الرسمي للحرم الجامعي في اليوبيل الفضي للجامعة والذي شرفه خادم الحرمين الملك سلمان - حينما كان أميراً لمنطقة الرياض - وحضره أصحاب المعالي د. غازي القصيبي ود. محمد عبده يماني ود. عبدالعزيز الخويطر ود. سليمان السليم وأمين الجامعة عبدالعزيز الوهيبي، ليتحدثوا تلك الليلة كما طُلب منهم بعفوية بعيدا عن الرسمية، عن ذكرياتهم ومواقفهم و«مقالبهم» الطريفة أثناء دراستهم بجامعة الملك سعود لنكتشف الجانب الإنساني في شخصياتهم.

 

إدوارد سعيد

في مرحلة البعثة الدراسية كان لي شرف اللقاء مع المفكر عالم الأدب الإنجليزي إدوارد سعيد، تلك الشخصية التي حازت على اهتمام الأوساط الأدبية والسياسية الغربية بكتبه الرصينة وعلى رأسها «الاستشراق»، وقد كان لقائي به بعد محاضرة ألقاها بالجامعة واستضفته مع عدد من الزملاء في احد مقاهي مدينة «بولمن» بولاية واشنطن ليدور حوار ساخن مع المفكر اللامع عن قضايا الادب والسياسة.. لأجد شخصية رائعة في بساطتها ومخلصة لقضاياها ومقدرة لدور المملكة في خدمة القضية الفلسطينية.

 

علي مزروعي

ابتعثت إلى جامعة ولاية واشنطن، ومن الشخصيات التي جاد بها الدهر وشرفت بالتواصل معها عالم التاريخ الأمريكي «علي مزروعي» ومدير مركز الدراسات الأفرو-أمريكية بجامعة ميشيغان، الذي صدم العالم الغربي في سلسلته الفريدة التي أصدرتها أنتج سلسلة أفلام وثائقية بعنوان «الأفارقة: الإرث الثلاثي» وسميت أيض بـ«explotation Africa» فقد كشف في عرض درامي حجم التدمير للانسان والعمران الذي احدثه المستعمر الغربي.. وقد رحل عن دنيانا عام 2014م.

 

«صوت الكويت»

لم تكن رحلة البعثة عابرة، بل كانت حافلة باللقاءات والمؤتمرات فكان لي مساهمة في لقاء سمو الأمير بندر بن سلطان إبان وجوده سفيرًا في واشنطن، وقد خصص ذلك اللقاء لقضية تحرير الكويت وتوجيهه ببذل الجهود الإعلامية المساندة لدور المملكة في دعم حق إخوتنا الكويتيين، وكان أن أسهمت في إصدار جريدة «صوت الكويت» بأمريكا، كما شاركت في عدد من التقارير والمقالات بمجلة «المبتعث» التي يرأس تحريرها الإعلامي البارز عبدالوهاب الفايز وتصدر عن الملحقية السعودية بواشنطن.

 

مع حفظ الألقاب

بالطبع لا أنسى ثلة من الزملاء الذين صحبتهم بالغربة واستفدت منهم كثيرًا ومنهم - مع حفظ الألقاب - د. عبدالله العثمان مدير الجامعة السابق، د. خالد بن عبدالعزيز العواد وكيل وزراة التعليم السابق، د. عبدالعزيز المقوشي الملحق التعليمي بلندن، د. عوض الأسمري مدير جامعة شقراء، د. توفيق الربيعة وزير الصحة، د. إبراهيم آل عبدالله، د. محمد البدر، د. عبدالعزيز بن عبود القحطاني، د. يوسف الرميح، د. عبدالله اليوسف، وغيرهم ممن لم تسعفني الذكرة لتذكرهم.

 

جهود إنسانية

عند العودة من البعثة أتيحت لي فرصة المشاركة في جهود المملكة الإنسانية، حيث توليت إدارة المركز الإعلامي للهيئة العليا للبوسنة والتي ترأسها سمو أمير الرياض آنذاك، خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز يحفظه الله، وترأست وفدين إعلاميين لزيارة «سراييفو» وتغطية الأحداث الملتهبة آنذاك إثر العدوان الصربي المجرم على البوسنة، وكانت أصوات الرصاص وقذائف الهاون تتساقط بالقرب منا ونحن نشق طريقنا إلى العاصمة المحاصرة، لندخل نفقاً تحت الأرض قرب منطقة تسيطر عليها العصابات الصربية لنصل للجانب البوسني، وضرب الإعلاميون السعوديون أروع مثال في العمل الإعلامي الاحترافي في إبراز الواقع  الإنساني وكشف مأساة الشعب البوسني للعالم.

 

موقف طريف

عشت تجربة رئاسة تحرير عدد من المطبوعات والمجلات التي أثْرت الجانب العملي، ولعل من المواقف الطريفة إبان ترأسي تحرير مجلة «حياة» للفتيات أن كان موضوع الغلاف «فركشة» يتناول قصص الطلاق في يوم الزواج، وكانت الفكرة أن يضع المخرج صك طلاق، فلم يجد، فأعطيته صك زواجي ليعدل عليه ويضع طلاق ويطمس الأسماء باستخدام «Fade out» وبالفعل طُبع من العدد ستون ألف نسخة، ووضعت بعض النسخ بالسيارة، وبينما ابنتي في السيارة متوجها بها لمدرستها، فإذا بها تصرخ: بابا هل طلقت ماما؟!! فاستغربت وقلت: لماذا؟ وإذا بها تقول: انظر!! ففوجئت أن صاحبنا المخرج لم يطمس الأسماء!

 

طوقٌ من الأفضال

ختاماً، هذا ما أسعفتني به الذاكرة في هذه المساحة المتاحة، والشكر لإدارة صحيفة «رسالة الجامعة» على هذه الفرصة التي استطعت من خلالها تجديد ذكرى عقود مضت بين محطات شكلت منعطفًا في حياتي وشخصيات أكن لها كل التقدير والاحترام، لما أضافوه لي بمسيرتي الأكاديمية والعملية، وأخص بالشكر الدكتور فهد الطياش -رئيس القسم آنذاك- الذي كان أول من صادفته بالقسم بعد عودتي وكان خير معين في رحلتي الأكاديمية، وأما جامعتي «جامعة الملك سعود» والتي قضيت فيها معظم أيام عمري طالباً فمعيداً فمبتعثاً فأستاذاً، فقد طوقتني بأفضالها، سائلاً المولى أن يعينني في تسديد بعض من هذا الدين لجامعتي ووطني.

*********

بووووكس

 

لقاءات صحفية مميزة

 

حظيت بعدد من اللقاءات الصحفية من أبرزها لقاء موسع مع المستشرق المنصف برفيسور جون اسبزيتو، وهو أحد أبرز أساتذة العلاقات الدولية وأحد أكبر المفكرين الأمريكيين، له مؤلفات مرجعية عن الإسلام والمسلمين، منها «الإسلام الصراط المستقيم»، «الإسلام والسياسة» وغيرها، وهو رئيس تحرير دائرة معارف العالم الإسلامي التي تنشر في جامعة أكسفورد ببريطانيا، وقد أشار في حواره إلى أهمية المبادرة لصياغة وإنجاز مشاريع وبرامج جوهرية توصل الصورة الحقيقية للمسلمين في ظل التشويه الممنهج، وأن نستثمر كل محفل للحديث عما يحصل في فلسطين من جرائم وتنكيل بالفلسطينيين وأن نستخدم الدبلوماسية الناعمة في إيصال رسالة الإسلام. وأذكر أنه همس في نهاية اللقاء بعد أن أوقف التسجيل off record «مشكلتكم في بعض من يدّعي تمثيلكم من العرب والمسلمين، في الحقيقة يمثّل بكم»!

0
قم بتقييم هذا المحتوى

إضافة تعليق جديد

Image CAPTCHA