الاقتصاد المعرفي الواقع والطموح 

 

 

 

تظل البحوث هي الركيزة الأساسية التي تستند عليها نهضة الشعوب بلا مُنازع، مهما اختلفت مجالات البحث كالبحوث الأمنية والاجتماعية والتطبيقية والعلمية والزراعية والحيوانية والهندسية إلى ما هنالك، والتي لا يتسع المقالُ لذكرها.

لكن في الآونة الأخيرة برز مصطلح يطلق عليه اقتصاديات المعرفة، أو الاقتصاد المعرفي، وهو ليس بجديد كما يظن البعض، فعلى النقيض من ذلك، فكل البحوث تستند على مدي أهميتها للبشرية وكلما كانت ذات احتياج أكبر كانت قيمتها المعرفية أكبر وعلى هذا المنوال تُصنف البحوث!

بدأ القرن الحادي والعشرون بخطى بحثية مُتسارعة مما نتج عنه تغيرات واسعة، فطرحت العديد من  النظريات والفرص والتحديات فازدادت معها أهمية المعرفة كأحد عناصر التكنولوجيا والمعلومات، حتى أصبحت من صفات هذا العصر وهو الاقتصاد المبني على المعرفة.

لذلك نرى اليوم أن دولًاً لا تمتلك قوة عسكرية ولا ترسانة أسلحة ولا مساحة كبيرة ولا عدد سكان كبير، إلا أنها غدت على رأس قائمة المعرفة ومهيمنة عليها، وأصبحت تنافس كُبريات الدول من خلال حقيقة واحدة وهي أن الإنسان هو المورد الاقتصادي الأقوى، إن شُجِّع وعُلِّم ودُرِّب ووُفِّرت له الإمكانيات، فهو أعلم بما يُريد، وكيف يصل إلى ما يُريد!

لقد تغيرت الأسس القديمة في تصنيف الموارد «أرض، رأس مال، عمالة» فأصبحت اليوم في ظل الاقتصاد الجديد «المعرفة العلمية، والذكاء الاصطناعي والمحاكاة، والمعلومات والإبداع» ليصبح الفكر هو رأس المال الحقيقي.

ماذا لو علمنا أن اقتصاد المعرفة أصبح يشكل 7% من الناتج المحلي العالمي، وينمو بمعدلات كبيرة تقدر بـ10% سنوياً، وأنه سيغدو المحرك الرئيس للنمو الاقتصادي عما قريب، وستتغير تبعاً لذلك فرص التوظيف وستختفى وظائف، كالمحامي والمحاسب والإعلامي والمراسل الصحفي ومتوقعي الطقس ومهندسي الكهرباء والشبكات حتى كابتن الطائرة سيصير عما قريب طياراً آلياً، وسيكون هناك روبوت جراح يجري العملية الجراحية بكل سلاسة، وربما عامل واحد مع التقنية المعرفية سيدير مزارع تفوق مساحتها آلاف الهكتارات، ومتخصص واحد في الثروة الحيوانية سيدير عشرات المزارع الحيوانية بمساعدة التقنية المعرفية، وحتى الباحث في الغد سيكون هناك بحوث آلية، تعمل على تجميع وترتيب الأفكار عبر خوارزميات دقيقة ومن ثم إصدار الأبحاث والكتب، وقد صدر أول كتاب من باحث آلي في أوائل العام 2019 لمؤلفه الآلي Beta Writer.

في ظل هذا التقدم الـمُخيف ومع تزايد أعداد الهيئات والمراكز البحثية في العالم التي فاق عددها عشرة آلاف منظمة بحثية مصنفة حتى أواخر العام 2019 بحسب تصنيف مؤشر نيتشر Nature Index إلا أن المنطقة العربية لم يتجاوز عدد المراكز البحثية فيها 350 مركزًا، كما أن عدد الجامعات لم يتجاوز 250 جامعة، وعمومًا تصنف المراكز والمنظمات البحثية بمقياسين: الأول عدد البحوث العلمية الـمُنتجة «Article Count»، والثاني مدى إسهام تلك البحوث في الاهتمام العالمي، وماذا قدمت للبشرية وكم نسبة الاقتباسات منها ضمن تخصص معين كمقياس كسري «Fractional Count».

وللأسف معظم البحوث في الوطن العربي على نوعين: بحوث جيدة ولكنها مجرد اجترار، أو تحوير طفيف، وبحوث ضحلة وهي البحوث المطبوخة، أما البحوث المتميزة فقليلة جدًّا، وهنا يجب أن نراعي الفوارق في الإنتاج البحثي للمجالات المتنوعة، فبسبب مدة تنفيذ البحث حتى ظهور النتائج، هناك اختلاف بين المراكز والكليات بحسب تخصصاتها وبين الأقسام، وهناك أيضًا تفاوت للمسارات داخل الأقسام نفسها، فالبحوث العلمية الطبية والحيوية والزراعية بشقيها النباتي والحيواني قد تحتاج لشهور وربما سنوات حتى تخرج بنتيجة معينة، في حين أن البحوث في جوانب علوم الحاسوب المختلفة قد لا تحتاج لساعات أو أيام فهو مجرد مُحاكـاة في معظم الحالات، وكذلك هندسة الاتصالات والهندسة الكهربائية والصناعية في الغالب وهناك الكثير من التخصصات على نفس المنوال، وهي المجالات التي تَعاظم فيها الإنتاج البحثي المعرفي تعاظمًا كبيرًا.

من هنا جاء التركيز على اقتصاديات المعرفة، فكم كان حجم الحاسب الآلي في خمسينات القرن الماضي وكم حجمه اليوم وكيف سيكون في الغد، كم كانت نسبة الاعتماد عليه في تلك الحقبة، وكم أصبحت النسبة اليوم، يكاد لا يوجد فرد في العالم إلا ويمتلك تقنية حاسوبية بيده، ولذا أصبحت بحوث المعرفة هي المحرك الأساسي للنمو الاقتصادي العالمي اليوم، وسيكون الرئيس في الغد، ويعرف بأنه أحد فروع علم الاقتصاد البنفسجي الذي يهتم بعوامل تحقيق الرفاهية للبشرية من خلال مساهمته في نظم إنتاج وتصميم وإخراج المعرفة المرتكز على التطوير والبحث العلمي، في سبيل تحقيق تنمية شاملة ومستدامة، تستند في خصائصها على الابتكار والتعليم والتدريب والبنى التحتية المواكبة للتطور، مع الحوافز المادية والمعنوية والحماية القانونية، وبذلك حدثت الثورة التكنولوجية والمعلوماتية وفي أنظمة الاتصالات أيضًا.

إن النمو المتزايد لاقتصاد المعرفة هو جزء من تحول أكبر من إنتاج السلع الملموسة المادية في البلدان المتقدمة نحو السلع غير المادية أو المعلوماتية والخِدمات، وأصبحت من أهم مقومات العولمة اليوم، التي تحررت من القيود التجارية محليًّا وعالميًّا، فتلاشت الحدود الشائكة أمام هذه المنتجات البحثية المعرفية المُعاصرة، فتغيَّرت طرق نقل المعلومات والتواصل والاتصال، وذهبت معها الجغرافيا البعيدة لتصبح قرية تتقدم وتنمو بشكل كبير ودقيق في تنافس شديد وتحرر سياسي لا مثيل له.

إذا علمت أن الإنتاج المعرفي في العالم بحسب قاعدة الإحصائيات العالمية قد بلغ في العام 2018م «2,555,959» مقالة علمية أي «7.002» ألف مقالة علمية تظهر للنور يوميًّا، أي أكثر من «292» بحثًا في الساعة الواحدة، أي «5» أبحاث تقريبًا في الدقيقة الواحدة، أي أنه خلال قراءتك لهذا المقال ربما قد نشر أكثر من خمسة وعشرين بحثًا في العالم، وكان النصيب الأكبر للصين بنسبة 20.67% ولأول مرة تتفوق على أمريكا 16.54% لتأتي الهند ثالثًا ثم ألمانيا واليابان وبريطانيا وروسيا وإيطاليا وكندا وأستراليا على التوالي.

إلا أن هناك تصنيفًا آخَرَ ليس لكمية البحوث فقط، بل لعدد الاستشهادات بتلك البحوث مما يدلل على أهمية جودة تلك البحوث في نشر المعرفة وتأثيرها وقوتها ومدى تداولها، ومن هنا حافظت الولايات المتحدة الأمريكية على المركز الأول بعدد الاستشهادات العلمية، لتأتي الصين بالمركز الثاني.

وبحسب إحصائيات المؤشرات العالمية للملكية الفكرية الأخير فقد بلغت عدد براءات الاختراع للعام 2018م «3.326.300» براءة اختراع  مقارنة مع العام 2008م «1.930.000» بزيادة قد تصل إلى الضعف خلال عقدٍ من الزمن، وقد استحوذت الصين على أكثر من نصف عدد البراءات، في حين استحوذت السعودية على 3399 براءة اختراع، بما يعادل 80% من إجمالي براءات الاختراع في الوطن العربي، لتتربع على المركز 25 عالميًّا.

مع هذا الإنتاج المعرفي والبحثي الهائل يظل إنتاج الدول العربية البحثي صغيراً جدًّا، فقد بلغت عدد المقالات العلمية المنشورة للعام 2018م حوالي «58.696» مقالًا علميًّا متاحاً ومعتمداً في المجلات العلمية المصنفة، أي بنسبة 1.76% تقريبًا من الإنتاج المعرفي العالمي، نظرًا لما تواجهه وتعانيه مُعظم الدول العربية من عدم الاستقرار والاضطرابات، والأزمات المالية المحلية والعالمية، وقلة فرص التعاون مع المراكز البحثية المحلية والعالمية، وضعف البني التحتية للبحث، وتدني أجور الباحثين، وقلة عدد الباحثين وهجرتهم، وغياب السياسات الـمُشجعة والـمُعتمدة على تكريس البحث في حلّ المشاكل، وقلة الإنفاق على البحوث، حيث إن متوسط ما يُصرف على البحث العلمي لا يتجاوز المتوسط العام في الوطن العربي سوى 0،23% من الناتج المحلي الإجمالي، إذا ما قارنا بدولة الكيان الصهيوني التي تنفق 4.21٪ من الناتج المحلي...! يتبع

فيصل بن أحمد الشميري

 

طالب دكتوراه كلية علوم الأغذية والزراعة

agrfaisal@gmail.com

0
قم بتقييم هذا المحتوى

إضافة تعليق جديد

Image CAPTCHA