الترجمة التجارية في المملكة بين التوطين والتدويل

 

 

جاء مفهوم العولمة مؤكداً للدور البارز للإعلام في تعزيز التعايش السلمي بين الثقافات، ونتج عن ذلك ازدياد نمو التبادل التجاري بين مختلف الدول وأصبحت القوة الاقتصادية هي مقياس التنافسية بين مختلف دول العالم، وقد مهد ذلك الطريق لتسابق الشركات والمنظمات باختلاف أهدافها لطرح منتجاتها في الأسواق العالمية وصياغة المحتوى الإعلاني آخذاً بالاعتبار ثقافة البلد المستهدف وحضارته.

مثالٌ على ذلك ما يلجأ له المسوقون في ابتكار إعلانات مختلفة لنفس المنتج بسبب اختلاف السوق المستهدف، وبالتالي يتم النشر لها عبر قنوات الإعلام المختلفة لجذب رغبة عملائهم في اقتناء المنتج.

من هنا تصاعد دور الإنتاج للجانب الدعائي للمنتجات التجارية، وظهر على السطح مفهوم «التسويق الذكي» الذي يهدف للتأثير على متسوقين بشكل غير مباشر وإقناعهم بجدوى المنتج وحاجتهم له.

لذلك تسعى الشركات لاستقطاب نخبة من المترجمين من أجل ترجمة فعالة وناجحة، لأن الإخفاق في ذلك قد يُعجل في تكبد خسائر على الشركة المنتجة أو المسوقة على حدٍ سواء. وهذا يؤكد ضرورة فهم أسس ومتطلبات إعادة إنتاج الجانب الدعائي والتركيز على أهم تلك الأسس «توطين وتدويل المنتجات» مستندًا على نظريتين أساسيتين في الترجمة «التأويلية» و«الغائية»، فترجمة الحملات التسويقية بشكل عام تكون إما تدويلًا أو توطينًا ويجب على المترجم أن يكون ملمًا بمعناها، قادرًا على تحقيقها بكل احترافية.

من هنا جاءت فكرة التركيز على ما يخص بيئتنا «المملكة العربية السعودية» لتدويل أفضل المنتجات المحلية عالمياً وتوطينٍ أكثر فعالية وملاءمة للثقافة السائدة.

الهدف الرئيسي من الترجمة الإعلانية هو جذب انتباه أكبر عدد ممكن من العملاء، وهناك بالتأكيد استراتيجية محددة لكل نوع إعلاني، وبالتالي حتى تصل فكرة الإعلان إلى جميع العملاء المستهدفين يجب أن يكون المترجم قادرًا على تجاوز الحدود اللغوية والثقافية، هذه الاستراتيجية تتلخص في مصطلحين هامين هما «التوطين والتدويل»، حيث إن «التوطين اللغوي» يكون عن طريق ترجمة الإعلان بطريقة تناسب ثقافة وبيئة اللغة الهدف، بينما على عكس ذلك، يهدف «التدويل اللغوي» إلى جعل الإعلان مفهومًا وموحدًا لمختلف دول العالم. إذن على المترجم أن تكون لديه رؤية واضحة لهذين المصطلحين وفهم كامل للعملية التسويقية بما فيها فهم أشكال الإعلان؛ أي شعار المنتج والملصق الإعلاني والإعلان التجاري التلفزيوني، والإلمام بطرق التسويق والمراحل التي تمر بها الحملة التسويقية وأهداف الحملات الإعلانية والغرض منها، بالإضافة إلى معرفة خصائص اللغة الإعلانية والأساليب التي تخضع لها خلال عمليتي التدويل والتوطين.

«النظرية التأويلية» ترى أن المعنى هو جوهر عملية الترجمة وأن النص عبارة عن وحدة ذات أبعاد ثلاثية هي البعد اللغوي والبعد الفكري والبعد التأثيري، فالترجمة لا تسعى إلى المطابقة التركيبية وإنما إلى المطابقة التأثيرية، ونظراً لانعدام المطابقة اللغوية والثقافية فإن عمل المترجم يتطلب نوعاً من التوطين الثقافي في اللغة الهدف بما يكفل إحداث نفس الأثر الذي أحدثه النص في اللغة المصدر، بينما تعتمد «النظرية الغائية» على تحديد الهدف الرئيسي أولاً والذي سيسمح بعد ذلك بتحديد الاستراتيجية المعتمدة وليس العوامل الأخرى.

وينبغي على صاحب النص المطلوب ترجمته تحديد غايته من الترجمة حتى يمكن للمترجم تحديد الاستراتيجية المطلوبة، وفي حالة إذا لم يقم صاحب النص بتحديد تلك الغاية فإنه يتعين على المترجم أن يضع نفسه في موضع صاحب النص ويتخيل الغايات المحتملة ويفاضل بينها ثم يبدأ في تكوين استراتيجيته.

ليس هذا فحسب بل على المترجم فهم أهم العوامل التي تلعب دورًا رئيسيًا في عمليتي التوطين والتدويل؛ كالأمانة في الترجمة، والثقافة السائدة، والعوامل الدينية، والأسس القانونية للإعلانات التجارية.

فيما يتعلق بالأمانة نجد أن المترجم يكون كاتبًا من بيئة وقارئًا من بيئة أخرى، يهدف إلى نقل أفكاره بما يُنمِّي الترابط، وحتى يتمكن من ذلك يجب أن يكون مُتمكِّنًا من اللغة المصدر والهدف وعارفاً للطرق والأساليب اللغوية الجاذبة للمشتري، وأن يكون مُتمكِّنًا من ثقافة اللغة المصدر والهدف، وأن يكون ملماً بثقافتها الدينية وقوانينها التجارية، وأن يُسيطر على تقنيات الترجمة سيطرة تامَّة.

نأخذ على سبيل المثال تأثير الإعلان التجاري على سكان مدينة الرياض، حيث نجد أن الترجمة تلعب دورًا مهمًا للغاية في عملية صنع القرار لشراء المنتجات وأن أي خطأ بسيط قد يسبب خسارة ما يقارب النصف من المتسوقين. كما أن الثقافة والدين لايزالان يلعبان دورًا مهمًا في التأثير على المشتري، وهذا يؤكد ضرورة استخدام نظرية مناسبة للترجمة الإعلانية؛ سواء التأويلية أو الغائية.

فبعض الإعلانات قد تنجح ترجمتها باستخدام النظرية التأويلية، وقد نصل أيضاً لنفس الترجمة أو أفضل منها من خلال تطبيق النظرية الغائية، لذلك نرى أنه يتعين على مترجمي الإعلانات التجارية استخدام النظرية الغائية بدلاً من النظرية التأويلية.

فيما يتعلق بتوطين الإعلانات، نجد أن استخدام اللهجات المحلية يعطي نتائج جيدة للغاية مقارنةً باستخدام اللغة الفصحى، وبالنسبة لتدويل الإعلان في العالم العربي فإنه من الأفضل استخدام اللغة العربية الفصحى، أما بالنسبة للتدويل للعالم بأسره فإن استخدام اللغة الإنجليزية يعد الأفضل نظرًا لسيادة اللغة الإنجليزية على أغلب دول العالم.

وفي الختام، نستطيع التأكيد بأن التوطين والتدويل اللغوي يختلف من بلد لآخر اعتمادًا على القيم الثقافية والدينية لكل بلد، حيث هناك العديد من الخطط التي يجب تنفيذها من أجل الإعلان بنجاح أبرزها احترام قيم العملاء المستهدفين والحرص على عدم الإساءة للغتهم وثقافتهم.

لولوة عماد العبدالكريم 

ماجستير دراسات الترجمة

كلية اللغات والترجمة

0
قم بتقييم هذا المحتوى

إضافة تعليق جديد

Image CAPTCHA