مركز للتراث الغذائي .. أولوية ثقافية

 

 

يأتي الغذاء على رأس قائمة الأولويات الثقافية بوصفه واحداً من عناصر الهوية الجماعية للشعوب والمجتمعات؛ وذلك لما يعكسه من أبعاد ثقافية واجتماعية وصحية ورمزية تشكل في مجملها قاعدة سلوك الناس وتراثهم الثقافي، ومكوناً أساسياً في منظومة ممارساتهم وأنماط حياتهم واستقرارهم المعيشي وعلاقتهم بالبيئة والبشر.

تعد المعارف والمهارات المتعلقة بالتقاليد الغذائية، حجر الزاوية في منظومة التراث الثقافي اللامادي المعبرة عن التفرد والأصالة والقيم التي تنطوي عليها ثقافة المجتمعات، فالغذاء بطبيعة الحال أكبر من مجرد وسيلة للبقاء، فمثل ما هو عنصر أساس في سعادة الإنسان وصحته البدنية والنفسية، فهو في ذات الوقت واحد من تجليات الهوية الوطنية التي ينبغي التمسك بها واستمرارها، بالإضافة إلى كونه تراثاً إنسانياً مشتركاً يسهم في الحفاظ على التنوع الثقافي من خلال الممارسات والنظم الغذائية التقليدية التي ينبغي صونها وحمايتها، والتعريف بها.

ضمن هذا السياق، لعل من أهم الأولويات الثقافية التي لا يمكن إغفالها، إنشاء هيئة لفنون الطهي ضمن الهيئات الجديدة التي أعلنت عنها وزارة الثقافة مؤخراً، والتي تُعد فرصة غير سابقة للوقوف على المخزون التراثي الغذائي في المملكة، وتؤسس لمرحلة عمل جديدة تتفق مع طموحات رؤية 2030 في تعزيز الجوانب الثقافية.

هيئة فنون الطهي ربما تكون بحاجة ملحة أن تعمل على إنشاء «مركز التراث الغذائي» يتولى الحفاظ على هوية المطبخ السعودي، وتسجيل الوجبات الشعبية التراثية؛ لما من شأنه ربط الأجيال الحالية بماضيها من خلال توارث الوصفات والتقاليد الغذائية. 

في اعتقادي، سيكون مثل هذا المركز واحداً من أهم المراكز الثقافية التي تعمل على حماية الموروث الثقافي وتصب في خدمة العمل الثقافي في المملكة، بحيث يتولى الاهتمام بالتراث الغذائي في ظل ضغط العولمة المتسارع وانسياق الأجيال الجديدة نحو الأكلات السريعة والخفيفة، وما صاحبها من انتشار للعديد من الأمراض المزمنة بسبب بعض الأطعمة الدخيلة على ثقافتنا.

يُسند إلى هذا المركز توثيق العادات الغذائية والمأكولات التقليدية والترويج لها، بمسمياتها، ومصادرها، ومكوناتها، وطرق تحضيرها وتقديمها، والمناطق التي اشتهرت بصناعتها، والوقوف على الاختلافات بين منطقة وأخرى، ناهيك عن تأسيس مطاعم وأسواق للوجبات التراثية في مراكز المدن، ومهرجانات للغذاء التراثي حتى يتعرف المجتمع والطهاة على قصة تلك المأكولات؛ ولتقوية الروابط بين المواطنين وتراثهم. كما يناط به تسجيل بعض الوجبات التراثية المميزة على القوائم التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي التابعة لليونسكو؛ وذلك للتعريف بها محلياً وعالمياً. 

إن التركيز الكبير على موضوع التراث الغذائي والعلاقة بين الثقافة والغذاء والتنمية، جعل الولع بالطعام يتجاوز حد إقامة الاحتفالات والمعارض والمهرجانات الشعبية ذات العلاقة بالغذاء والطعام، إلى إقامة متاحف خاصة بالأغذية المختلفة تهدف إلى التوعية والحفاظ على التراث الغذائي المحلي، ولعل متحف «أجروبوليس» في مونبلييه بفرنسا مثال حقيقي على هذه المتاحف.

خلاصة القول، إن الحفاظ على التراث الغذائي، عنصر حاسم في تكوين الهوية وفهم الأفراد لذاتهم وربط المجتمع بماضيه، كما يمكن أن يكون رافداً مهماً لدعم الاقتصاد الاجتماعي، فالذاكرة الشعبية تحتفظ بكثير من الأكلات المميزة التي يمكن أن تكون مصدر رزق لكثير من الأسر لاسيما أنها قليلة التكاليف، فضلاً عن دورها في تعزيز ودعم النشاط السياحي.

ودمتم طيبين.

 

د. ياسر هاشم الهياجي

قسم إدارة موارد التراث والإرشاد السياحي

0
قم بتقييم هذا المحتوى

إضافة تعليق جديد

Image CAPTCHA