التعليم الجامعي بين النظرية والتطبيق

زاوية: عمرانيات

 

 

 

 

يطالب كثيرون أن يكون التعليم الجامعي مواكبًا للعصر، وهذا مطلب مشروع، ولكن لا يعني ذلك أن تتحول المناهج إلى برامج تدريبية لتطبيقات حديثة بعيدة كل البعد عن تأصيل ذلك بأطر نظرية تعمق الأساسيات التي بنيت عليها هذه التطبيقات، بحجة أن يكون الخريج جاهزاً لسوق العمل.

وأزعم أن هذا التوجه خطير ويفرغ المنهج العلمي من محتواه، فالخريج الجامعي المتخصص يجب أن يكون لديه القدرة والعمق الفلسفي للأساسيات التي بني عليها هذا التطبيق أو هذه الآليات.

وهذا هو الفارق مثلاً في تخصصنا بين المهندس والتقني، فالمهندس لديه الأدوات الأساسية والفكرية للتصميم والتحليل ووضع خطة للتنفيذ ولكنه لا يملك المهارات التي تجعله منفذاً ماهراً، في حين أن التقني لديه المهارة اللازمة لتنفيذ تصميم وخطة المهندس التنفيذية المعدة له، ولو تبادلا الأدوار لخربت الأمور، وهكذا في جميع التخصصات، فهذا مجرد مثال لتأصيل أن الجانب التطبيقي، ومهارات التطبيق تتطور حسب الظروف والمعطيات في حين أن النظريات غالبًا تعبر عن محاور أساسية تُبنى عليها التطبيقات وأدوات التنفيذ.

غالبًا ما نسمع من يقلل من أهمية الطرح والتأصيل النظري باعتبار أن ذلك لا يستوعب أو لا يواكب العصر، وخرجت لنا بعض المناهج في الجامعة أرى أنها مجرد تطبيقات لتفاصيل تنفيذية ولا تحمل التأصيل النظري والفلسفي للأساسيات، مما قد يخرج لنا متخصصين يحملون مهارات تنفيذية قد تكون عالية في التطبيق دون التعمق في أصولها التي بنيت عليها تلك التطبيقات والممارسات.

والمخيف أن هذا التعمق في عمل التطبيقات البعيد عن التأصيل العلمي النظري قد يعطي انطباعاً للعامة أن هذا المتخصص يملك أدوات تنفيذ عالية في حين أنه تأهل بدرجة أقل مما يجب أن يكون عليه.

آمل أن لا يفهم من كلامي هذا عدم مواكبة مستجدات العلم، ولكن هذه المستجدات يندر أن تخالف النظرية بقدر أنها تفاصيل وتحسين في إخراج المنتج دون المساس بأصل النظريات التي يجب أن تكون هي محور التعليم الجامعي.

إن كل منهج دراسي جامعي يفترض أن يبنى ويؤصل على النظرية المعنية في ذلك المجال أو التخصص وأن تدور كافة محاور التعليم والتطبيقات على المبادئ الأساسية التنظيرية في التخصص لكي يتمكن الطالب من الربط بين تلك الأدوات التنفيذية والتطبيقات مع أسباب حدوثها ضمن تأصيل نظري، لا أن يكون جل هم الأستاذ صرف الوقت في شرح تفاصيل تلك التطبيقات التي قد تكون في مجالنا أسلوب بناء معين أو برنامج كمبيوتر، دون ربطها وتأصيلها بالنظريات العلمية التي تفسر المعطيات.

ما يميز الأستاذ الجامعي المتمكن قدرته على ربط وتأصيل كل تلك التطبيقات بالنظريات الأساسية المفسره لها، بحيث يتم شرح تفاصيل التطبيقات العملية التي حتمًا سيتعلم من خلالها الطالب بعض المهارات مع الربط المباشر بالنظريات العلمية، وأن يكون جل هم الأستاذ في الشرح والتفصيل لهذه التطبيقات العملية تأصيل الأسباب والنظريات التي بني على ضوئها هذا التطبيق أو الممارسات، فالأعمال التي تحتاج لمهارات تنفيذية ستوكل غالباً للعاملين التقنيين أو الفنيين المنفذين في مواقع العمل، وهو غالبًا سيكون شريكاً معهم في التنفيذ ولكن ليس بنفس المهارة.

ما دفعني للحديث عن هذا الموضوع هو الحماس الشديد الذي ألمسه نحو حشو بعض المناهج الدراسية الجامعية بالتطبيقات وتحول دور الأستاذ الجامعي إلى مدرب لتلك التطبيقات، بمعنى أنه يتم استهلاك الوقت في سرد أمثلة تفصيلية دون تأصيلها، وتحويل التعليم الجامعي إلى تعليم فني «مهني» يُخرج متخصصين لا يفقهون الأسباب الجوهرية للكثير من الممارسات، ولا يملكون القدرة على الإبداع والتطوير في مجال تخصصهم لافتقادهم أهم جوانب المعرفة والتأصيل في تخصصاتهم.

 

د. غازي العباسي

رئيس مجلس إدارة الجمعية السعودية لعلوم العمران

كلية العمارة والتخطيط

0
قم بتقييم هذا المحتوى

إضافة تعليق جديد

Image CAPTCHA