أستاذ متقاعد ورسالة عبر الزمن!

 

صحوت من النوم مبكراً على صوت زقزقة العصافير، الساعة تشير إلى السادسة صباحاً من يوم الأحد الموافق 8 أكتوبر لعام 2038. ها أنا ارتشف قهوة الصباح استعداداً للخروج من منزلي المستأجر لممارسة رياضة المشي كالمعتاد في مسارات مشاة مغطاة بالأشجار الباسقة. احتفلت ليلة الأمس بعيد ميلادي الستون، أيام مرت سريعاً كطيف جميل حالم كنت أشعر حينها بنشوة الإنجاز والعطاء. تزداد حلاوة الإنجاز مع كل ورقة بحثية أنشرها، وفي كل مؤتمر أحضره، ورسالة علمية أشرف عليها. اليوم، استعد لأذهب إلى الجامعة ليس للتدريس والبحث العلمي؛ بل لمتابعة معاملة تقاعدي. المعاملة طويلة وتتطلب تعبئة نموذج إخلاء الطرف متضمناً توقيعات كافة الوحدات والإدارات التي سبق أن عملت فيها. عند إكمال المعاملة سوف ابدأ بالتقديم للتعاقد مع القسم والرحلة تبدو هنا أكثر مشقة بداية من الفحص الطبي، وتعبئة نموذج الخبرات والدورات التدريبية، والأعباء التدريسية، والبحوث التي سبق نشرها، ولا بد من إرفاق تقييم الطلاب خلال الفصول الماضية ثم الحصول بعد ذلك على موافقة كافة المجالس. زملائي في العمل احتفلوا بي مع نهاية الفصل الدراسي الماضي وقدموا لي هدية عبارة عن مصحف ومسبحة وكأنهم يقولون لي أيامك في الحياة أصبحت معدودة وعليك الاستعداد الآن للدار الآخرة. لكني أشعر أني بصحة جيدة وعطائي متجدد حيث نشرت ثلاث بحوث هذا العام وقمت بتأليف كتاب، ولا زلت أعمل على مشروع بحثي أطمح لإنهائه خلال الشهور القادمة. لدي خبرات طويلة في مجال تخصصي الدقيق امتدت لأكثر من خمس وثلاثون عاماً ما بين مؤلفات ودراسات وأشراف علمي وتحكيم. ومع ذلك، أشعر أن البعض لا يرغب الاستعانة بي في بحث مشترك أو استشارة علمية، ولا تتم دعوتي في كثير من المؤتمرات والمنتديات العلمية وانقطعت صلتي تماماً بالمجتمع الأكاديمي. أرى في أعينهم نظرة الشفقة الممزوجة بالرأفة؛ بل أن طلاب الدراسات العليا يتحاشون التسجيل معي رسائلهم العلمية وكأن تاريخ صلاحيتي انتهى.. لا أعرف ربما هي إرهاصات مرحلة التقاعد؟ أيها التأريخ رجوتك دون ما كتبته في صحيفة رسالة الجامعة وأخبرني عن معاناتي في عام 2038!

 

د. وليد الزامل

أستاذ مشارك في قسم التخطيط العمراني

0
قم بتقييم هذا المحتوى

إضافة تعليق جديد

التحقق البصري
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA