العمل المعرفي..

 

العمل المعرفي أصبح محوريًا في تحقيق التقدم والابتكار. ويشكل العمل المعرفي الأساس الرئيسي للأنشطة التي ترتكز على الفكر والإبداع واستخدام المعرفة الخاصة بالأفراد. ويمثل مجموعة واسعة من الأدوار والمهن التي تعتمد على القدرات الفكرية والاستنتاجية، والتي تسعى جاهدة لحل التحديات المعقدة والمشكلات الصعبة.

في هذا العصر الذي يعتمد بشكل متزايد على تقنيات المعلومات والاتصالات، أصبح العمل المعرفي أساسيًا للابتكار والتطور الشامل. ويتطلب النجاح في هذا النوع من العمل القدرة على التفكير الإبداعي والتحليل العميق واتخاذ القرارات المستنيرة استنادًا إلى المعرفة والتجربة والخبرة.

المثير في العمل المعرفي هو كيف يمكن للأفراد دمج الفكر والفهم والخبرة لإيجاد حلول جديدة وفعّالة للتحديات الراهنة. ويمثل العمل المعرفي القوة الدافعة وراء التطور والتقدم في العديد من المجالات، من العلوم إلى التكنولوجيا والصناعة والتعليم وغيرها الكثير.

في هذا السياق، تبرز أهمية تطوير ودعم القدرات والمهارات التي يحتاجها الأفراد للمشاركة والنجاح في هذا النوع من العمل. تعزيز المعرفة والتفكير النقدي والتفاعل والتعلم المستمر يعد أساسيا لتحقيق إمكانات الفرد في عالم العمل المعرفي. ويمثل العمل المعرفي ركيزة أساسية في عالمنا الحديث، حيث يساهم بشكل كبير في إثراء الفهم والتقدم، ويشكل الدافع للابتكار والتطوير المستمر.

ما هو العمل المعرفي؟

العمل المعرفي هو العمل الذي يتضمن بشكل رئيسي التعامل مع المعلومات واستخدام الخبرات والقدرات الفكرية بدلاً من العمل اليدوي أو المهام المتكررة. ويشمل مجموعة واسعة من الوظائف التي يكون التركيز الأساسي فيها على حل المشكلات وتحليل البيانات وإنشاء المحتوى واتخاذ القرارات استنادًا إلى الخبرة وتطبيق المعرفة المتخصصة.

وقد صاغ بيتر دراكر (1959) مصطلح العمل المعرفي «Knowledge work» لوصف العمل الذي يحدث في المقام الأول نتيجة للعمليات العقلية بدلاً من المجهود البدني. وفي القرن الماضي، انتقلت المنظمات من الإنتاج الحرفي إلى إنتاج يعتمد على المعرفة بشكل أكبر، وقد زادت نسبة القوى العاملة التي تشارك في العمل المعرفي بشكل كبير. في عام 1920، شارك ما يقدر بنحو 30% من العاملين في العمل المعرفي (دافنبورت، توماس، وكانترل 2002). وارتفعت هذه النسبة إلى أكثر من 200%.

ومعظم تعريفات العمل المعرفي تتضمن العناصر التالية: توزيع أو تطبيق مجال المعرفة، المهنيين المستقلين ذوي التعليم العالي، استخدام تقنية المعلومات كجزء لا يتجزأ من سير العمل، إجراءات العمل التي يصعب توحيدها، نتائج معقدة وغير ملموسة.

وتؤكد معظم الدراسات أنّ أفضل أسلوب لدراسة الاختلافات بين العمل اليدوي والعمل المعرفي يكمن في الاستمرارية. بالإضافة إلى ذلك، فإنّه حتى أعلى المستويات من العمل المعرفي تتضمن القيام بمهام عادية كتخزين المعلومات، والرد على المكالمات الهاتفية، وكتابة رسائل البريد الإلكتروني والرد عليها (هيرواجن وآخرون 2004).

لتقييم مستوى العمل المعرفي، يجب فحص الجوانب المختلفة للوظيفة وهي: الاستقلالية – مدى تحكم الموظف في الكيفية التي يتم من خلالها إنجاز المهمة، الهيكلية – الدرجة التي تحدد بها القواعد أو السياسات أو الإجراءات المعمول بها كيفية إنجاز المهمة، المعرفة – الدرجة التي يعتبر بها امتلاك المعرفة وتنفيذ العمليات المعرفية جزءًا من المهمة، مدى الصعوبة – مدى صعوبة فهم المهمة أو احتمالية الخلط بين المهام الفرعية المترابطة، الروتين والتكرار – الدرجة التي تكون فيها المهمة جزءًا من إجراء دوري أو ثابت يتميز بالأداء المعتاد أو الميكانيكي للخطوات، الجهد البدني – مدى قوة الجسم والتنسيق والمهارة التي تتطلّبها المهمة.

ما العوامل التي تؤثر على أداء الموظفين في مجال المعرفة، وتتم دراستها على نحو أكثر تفصيلاً، وما هي المعلومات المتوفرة حول تأثيرها؟

حُدِّد 76 عاملاً بالإجمال استنادًا إلى تحليل 59 دراسة مختارة، يمكننا تحديد العوامل الستة التالية التي لها علاقة وثيقة بأداء العاملين في مجال المعرفة، وتمت دراستها على نطاق واسع وهي: (1) التماسك الاجتماعي، (2) الدعم الإشرافي المدرك، (3) مشاركة المعلومات / الذاكرة التبادلية «Transactive Memory»، (4) وضوح الرؤية والهدف، (5) الاتصال الخارجي، و(6) الثقة.

تشمل المهن التي تندرج تحت فئة العمل المعرفي، ولكن لا تقتصر عليها: المحترفون في تكنولوجيا المعلومات: مطورو البرمجيات ومحللو البيانات وخبراء أمن المعلومات، إلخ، المحترفون الإبداعية: الكتاب والمصممون والفنانون والموسيقيون، إلخ، مستشارو الأعمال والإدارة: الاستراتيجيون والمحللون والمستشارون، إلخ، العلماء والباحثون: علماء الرياضيات والكيمياء والأحياء والفيزيائيين وعلماء الاجتماع، إلخ، المهنيون في مجال الرعاية الصحية: الأطباء والممرضون والصيادلة، إلخ، محللو البيانات المالية: الاقتصاديون والمحاسبون ومستشارو المال، إلخ، القائمون بالتعليم: المعلمون والأساتذة والمدربون، إلخ، المحترفون القانونيون: والمحامون والقضاة ومستشارو القانون، إلخ.

غالبًا ما يتضمن العمل المعرفي التفكير النقدي وحل المشكلات والتحليل والإبداع واتخاذ القرارات استنادًا إلى الخبرة والمعرفة المتخصصة. والتقنية دور كبير في تمكين العمل المعرفي وتحسينه من خلال توفير الأدوات للبحث والتواصل وتحليل البيانات والتعاون.

في العصر الحديث، أصبح العمل المعرفي مهمًا بشكل متزايد حيث تتجه المجتمعات نحو الصناعات القائمة على المعلومات التي تعتمد على الابتكار. وتكمن قيمة العمل المعرفي في قدرته على توليد أفكار جديدة ودفع عملية الابتكار وحل المشكلات المعقدة التي تساهم في النمو الاقتصادي والتقدم الاجتماعي.

د. أحمد السيد

كلية العلوم

0
قم بتقييم هذا المحتوى

إضافة تعليق جديد

التحقق البصري
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA