Skip to main content

الكتابة العلاجية.. حبرٌ يشفي ما لا يُقال

أ. د. جمال الدين ابراهيم هريسه
بقلم: أ. د. جمال الدين ابراهيم هريسه
تم النشر في: منذ 9 دقيقة

على الرغم من سهولة الحياة في العصر الحديث، فإن الضغوط الحياتية قد تزايدت نتيجة تسارع وتيرة الحياة، وتعدد المسؤوليات، وارتفاع التوقعات الشخصية والمجتمعية، إضافة إلى التأثير المستمر للتكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي، التي جعلت الإنسان في حالة اتصال دائم ومقارنة مستمرة بالآخرين. كما أسهمت التحديات الاقتصادية والمهنية، وتداخل الحدود بين الحياة الشخصية والعمل، في زيادة مستويات التوتر والضغط النفسي. وتُعدّ الكتابة العلاجية “Therapeutic Writing” أحد أهم الحلول الفعّالة للتقليل من الضغوط الحياتية اليومية وتحسين الصحة النفسية والجسدية وجودة الحياة. فلم تعد الكتابة مجرد نشاط إبداعي فحسب، بل امتد دورها لتصبح وسيلة تُستخدم في مجالي علم النفس والطب. يمكن للإنسان تخصيص 15–20 دقيقة يوميًا للكتابة عن موقف يسبب له مشكلة، مع التركيز على المشاعر والأفكار المرتبطة به، والتأمل في السبل المناسبة للتعامل معه، و هذا يساعد ذلك على تفريغ المشاعر، وتعزيز الوعي الذاتي، وإعادة صياغة الأفكار بطريقة أكثر إيجابية وتوازنًا.  حيث تتحوِّل الأفكار والمشاعر إلى كلمات تخلق مساحة آمنة للتفريغ العاطفي، مما يساعد الإنسان على فهم ذاته وإعادة تنظيم تجاربه بطريقة أكثر توازنًا ووعيًا. 

 تعتمد فكرة الكتابة العلاجية على تفاعلات فسيولوجية معقدة داخل الجسم. فعند التعبير عن المشاعر المكبوتة بالكتابة، ينخفض نشاط الجهاز العصبي الودي “Sympathetic Nervous System” المسؤول عن الاستجابات لردود الافعال ،  في حين يزداد نشاط الجهاز العصبي نظير الودي “Parasympathetic Nervous System”، مما يؤدي إلى حالة من الاسترخاء وانخفاض معدل ضربات القلب وضغط الدم ومعدل التنفس . وقد أظهرت الدراسات أن الكتابة التعبيرية تسهم في خفض مستويات هرمون الكورتيزول “Cortisol” وغيره من هرمونات التوتر، الأمر الذي ينعكس إيجابًا على جميع  وظائف الجسم. وعلى مستوى الكيمياء العصبية، تؤدي الكتابة العلاجية دورًا محوريًا في إعادة ضبط التوازن العصبي من خلال تنظيم النواقل العصبية، وهي المواد الكيميائية المسؤولة عن نقل الإشارات بين الخلايا العصبية. وقد أشارت الدراسات إلى أن الممارسة المنتظمة للكتابة تسهم في تنظيم إفراز السيروتونين “Serotonin “، المرتبط بتحسين المزاج والشعور بالرضا، وتعزز الكتابة إفراز الدوبامين، المرتبط بالتحفيز والإحساس بالمكافأة. كما تساعد في تنظيم النورأدرينالين، مما يقلل من فرط الاستثارة المرتبط بالقلق والتوتر . إضافة إلى ذلك، تدعم الكتابة توازن حمض غاما-أمينوبيوتيريك “GABA” ، الذي يسهم في تهدئة النشاط العصبي. كذلك، تساعد الكتابة على الحد من التأثير المفرط للغلوتامات، الذي يرتبط بالإجهاد العصبي عند ارتفاع مستوياته. كما تعزز إفراز الإندورفينات” Endorphins”، وهي مسكنات طبيعية للألم تعزز الشعور بالراحة والسعادة.

 وتؤدي هذه التأثيرات مجتمعة إلى تحقيق توازن كيميائي عصبي يعزز قدرة الإنسان على التكيف مع الضغوط.  ولا يقتصر تأثير الكتابة العلاجية على الجانب النفسي والعصبي فحسب، بل يمتد ليشمل تنشيط القشرة الجبهية الأمامية في الدماغ، وهي المنطقة المسؤولة عن المعالجة المعرفية والتنظيم العاطفي، مما يساعد الفرد على إعادة تفسير الأحداث بطريقة أكثر اتزانًا، بدلًا من الانخراط في أنماط التفكير السلبي. كما تسهم الكتابة في تحسين جودة النوم، وتقليل الأعراض الجسدية المرتبطة بالتوتر، مثل الصداع واضطرابات الجهاز الهضمي والتعب المزمن، فضلًا عن دورها في التخفيف من حالات القلق والاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة. وهكذا، تُشكّل الكتابة العلاجية جسرًا متكاملًا يربط بين العقل والجسد، فتصبح الكلمات أداة فعّالة لإعادة التوازن الداخلي، وتعزيز القدرة على التكيف، ودعم جودة الحياة.

 

أ. د. جمال الدين ابراهيم هريسه

استاذ الكيمياء الحيوية والبيولوجيا الجزيئية

كلية الصيدلة – جامعة الملك سعود