التصلب الفكري اضطراب في الشخصية

يحذر القرآن الكريم من التعصب «قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ» سورة المائدة: 77. وقال تعالى: «وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاس» سورة البقرة: 143. وروى أبو يعلى عن أنس بن مالك، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تشددوا على أنفسكم فيُشَدَّد عليكم، فإن قوماً شددوا على أنفسهم، فشُدِّد عليهم»، وقال: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه» رواه مسلم.

ولا شك أن التعصب الديني غلو وبعد عن الوسطية والرفق، وأسبابه عديدة، نفسية ومادية واجتماعية، وهي أسباب وعوامل متشابكة ومتداخلة، وكذلك التصلب الفكري قد يكون مقدمة للتعصب الديني وينتج عن عقل بشري متحجر وبطيء الحركة ومفتقد للمرونة الذهنية.

ومن أهم صفات صاحب الفكر المتصلب أنه شديد الجمود على أفكاره، وغير قادر على التخلي عن آرائه حتى لو بدا له خطؤها، على حين أن صاحب الفكر المرن يذعن للحق، ويتشوق إلى معرفة الجديد سواء كان موافقًا لما يرى أو مخالفًا له.

واللغة التي يستخدمها صاحب الفكر المتصلب تميل إلى المغالاة والقطعية، ولا يشعرك أنه شخص عقلاني منطقي يفكر ضمن معقولية واضحة ومقبولة؛ وهذا شيء طبيعي فتصلبه الذهني يؤدي إلى تخلف طرحه وتقادم مفاهيمه ومقولاته.

كما أن حساسية صاحب الفكر المتصلب لمشاعر الآخرين ضعيفة، ولذا فهو يلقي الكلام على عواهنه غير آبه بما يسببه لسامعيه من أذى وحرج، وكثيراً ما يكون تعميماته للأوصاف السيئة على الشعوب والقبائل والشرائح العريضة هي السبب في ذلك، وحين يوصف شعب إليك بأنه مخادع أو ضعيف التدين أو كسول أو غبي، فلا ريب أنك سوف تتضايق من ذلك، ولكن صاحب الفكر المتصلب لا يرى في ذلك أي بأس!

يعطيك صاحب الفكر المتصلب، انطبا ًعا بأن لديه جوابًا لكل سؤال، والسبب في ذلك أن ممارسته للمشاركة في التحدث قائمة على عدد محدود من المبادئ والمفاهيم الجاهزة والمحدودة؛ ولذا فهو يحفظها عن ظهر قلب، ويسارع إلى استخدامها في محاوراته، وليس عنده أي مشكلة نحو الآثار التي تترتب على عدم صوابها، فهو موقن بها، وليس بحاجة إلى سماع رأي الآخرين فيها.

وأخيراً، يُحدث التصلب الفكري لدى صاحبه نوعاً من الارتباك والتناقض وكثيراً ما يتورط المتصلبون فكريًا بالعمل على تنفيذ آراء خصومهم في حياتهم العملية، وتجسيد أهدافهم، وذلك لأن التصلب الفكري يجعل صاحبه يخسر انسجامه الذاتي، كما يجعله عاجزاً عن إدراك مدى منطقية أعماله واتساق مقدماته مع نتائجه، فيجد نفسه مدفوعاً للعمل لصالح خصومه.

0
قم بتقييم هذا المحتوى

إضافة تعليق جديد

Image CAPTCHA