سر غياب النقد الأدبي الجاد

لاحظ العديد من الأدباء والمهتمين والمتابعين، غياب النقد الأدبي الجاد عن الساحة الأدبية والثقافية في الوطن العربي في الفترة الأخيرة، حيث باتت الملتقيات الأدبية والثقافية مزدحمة بالروائيين الذين يُعاملون كنجوم، على اعتبار أن اللحظة التي نعيشها هي لحظة الرواية، فيما تم طرد النقاد أو الاكتفاء بحضورهم الشكلي على هامش تلك المحافل، وكأن الناقد صار مجرد مسوّق للروائي، حتى عندما يُطلب منه تقديم ورقة أو مداخلة يكتفي بتعليقات شفهية عمومية في أفكارها ومقاصدها، ليسجل حضوره الشرفي ليس إلا، وبالتالي فهو يتنازل عن دوره كقارئ نوعي للنتاج الأدبي، وهو الأمر الذي يفسر سر غياب المرجعيات النقدية المحايدة للمنجز الروائي العربي الحديث، وانفلاته في كل الاتجاهات دون أي مقاربات مقنعة لمجمل الظواهر المتعلقة بالكتابة الروائية.

مع لحظة الانفجار الروائي مطلع التسعينيات كان من المتوقع ظهور حركة نقدية معنية بالخطاب الروائي وموازية له بكل تشظياته وتنوعاته، وهو أمر حدث بالفعل، لولا أن الرواية تمادت في الاستئثار بالمشهد الثقافي لأسباب موضوعية، محتمة بسيرورة الحياة العربية، وعلى إيقاع منظومة من الجوائز التي لم تسمح فقط بتحويل الروائي إلى نجم ثقافي، بل جعلت من بعض النقاد مجرد نقاد جوائز، بمعنى أن الإبداع لم يعد هو محل اشتغال النقد، بقدر ما صار فصيل عريض من النقاد يتسابقون لتحكيم تلك المتوالية الفائضة من الجوائز، بما في ذلك الأقلام التي تتابع المنجز عبر مطالعات صحافية ومراجعات تحمل قيمة ناقدة.

اللقاء الإبداعي النقدي في ندوة مكناس عام 2013 هو أحد أهم اللقاءات التي حاولت بجدية البحث عن (أسس نقدية ونظرية لدراسة تطور الحركة الأدبية، وللاقتراب من محاولة بناء سياق لتطور القصة القصيرة) كما جاء في الكتاب الذي نقل جانباً مهماً من مناخ السجالات، وضم مجموعة من الدراسات التي قُدمت في تلك الندوة، وصدر حينها عن مؤسسة الأبحاث العربية بعنوان «دراسات في القصة القصيرة – وقائع ندوة مكناس» حيث تحول الكتاب إلى مادة مرجعية على درجة من الحيوية والغنى.

واتفق المشاركون على ضرورة إحياء النقد الأدبي بمفهومه العميق والشامل، باعتبار أن كل ما حققه الغرب من ثورات في التفكير كان للنقد فيه دوره الكبير والمؤثر، والتاريخ الأدبي يشهد على فتوحات مهمة في هذا المجال، حتى عندما استؤنف الحديث عن الحداثة كان للنقد ما للإبداع من إسهام، على اعتبار أن النقد هو عقل الأمة وخزينها المعرفي مقابل الرصيد الروحي والوجداني للنصوص الأدبية، أما في العالم العربي فقد كان الحديث عن الشعر كقاطرة أولى للحداثة العربية مع تغييب متعمد لدور النقد، لأن ذهنية اختصار ديوان العرب في جنس أدبي وخزان قيمي حياتي هي الثقافة المهيمنة، وحينها كان الشعر هو ديوان العرب، أما اليوم، وفي ظل مقولة إن الرواية هي ديوان العرب الجديد، فيبدو أن الطوابير تزحف بهذا الاتجاه الذي لا يمتلك على أرضية الواقع ما يسنده، سواء على مستوى الإنتاج الأدبي أو التنظير النقدي.

0
قم بتقييم هذا المحتوى

إضافة تعليق جديد

Image CAPTCHA