الترجمة والتنوع: شعار اليوم العالمي للترجمة 2017

كان الاتحاد الدولي للمترجمين (FIT) هو أول من دعى للاحتفال السنوي باليوم العالمي للترجمة عام 1953 بهدف تكريم المترجمين الذين يلعبون دورًا محوريًا في التقريب بين الشعوب والثقافات، وعامًا بعد عام ساهمت هذه الاحتفالية في التأكيد على دور الترجمة كأحد أهم النشاطات الإنسانية الفكرية والأيدلوجية والذهنية فضلًا عن دورها الثقافي واللغوي.

وفي كل عام يختار الاتحاد الدولي للمترجمين شعارًا تتمحور حوله الاحتفالات المختلفة باليوم العالمي للترجمة والذي تشارك فيه مؤسسات وهيئات وجامعات ومراكز في جميع أنحاء العالم إيمانًا بدور الترجمة في التنوير والتثقيف ونشر المعرفة.

ويحتفل العالم باليوم العالمي للترجمة في الثلاثين من سبتمبر من كل عام والذي اُختير له لهذا العام شعار «الترجمة والتنوع»، واقتران الترجمة بالتنوع لا يبدو جديدًا للوهلة الأولى لأن التنوع والتعددية من الخصائص الأساسية التي تسم الفعل الترجمي بشكلِ عام.

وكانت منظمة اليونسكو قد أقرت الإعلان العالمي للتنوع الثقافي في نوفمبر 2001 بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، حيث اعتبرت هذه المنظمة الدولية أن التنوع والتعددية هما السبيل الوحيد لضمان إقرار السلام في العالم، وفي 18 مارس 2007 تم التوقيع على اتفاقية حماية وتشجيع تنوع التعبير الثقافي، ولتنوع اللغات على مستوى العالم كان على الترجمة أن تضطلع بمهمة التقريب وتحقيق التواصل في ظل احترام التنوع بل والإبقاء عليه.

وخلال العقود الماضية أثبت النشاط الترجمي أنه ليس فقط أداة لغوية ولكنه طوق النجاة الذي يضمن استمرارية الحوار وعامل رئيس في توجيه ذلك الحوار وإدارته، بل وتغيير مساره في بعض الأحيان.

ويبقى السؤال: لماذا التأكيد على التنوع مرة أخرى «الترجمة والتنوع»؟! هل نضبت الموضوعات التي تُعنى بالترجمة؟ حتمًا لا. إن قراءة متأنية للمشهد السياسي والاقتصادي المتلاحم مع واقع لغوي وثقافي وأيدلوجي معقد قد تساعدنا على تفسير الرغبة الملّحة في التأكيد على التنوع من جديد.

والتنوع في رأيي يجب أن تكون له أوجه متعددة؛ تنوع في اللغات المنقول عنها وإليها، تنوع في مجالات اهتمام الحركة الترجمية، تنوع في الهيئات التي ترعى الترجمة والمترجمين على المستوى المحلي والعالمي، تنوع في السياسات التي تتحكم في صناعة الترجمة.

وفقًا لمنظمة اليونسكو فإن 59% من الترجمات على مستوى العالم تتم نقلًا عن اللغة الإنجليزية في مقابل 10-12% للغة الروسية واللغة الفرنسية واللغة الألمانية مجتمعة، ونسبة 1-3% لثمان لغات أخرى، بينما تقل النسبة عن 1% لباقي اللغات في العالم.

والعلة معروفة والسبب لايخفى على أحد، فهناك العديد من الرهانات السياسية والجيوسياسية التي تسهل أو تعرقل التبادل بين اللغات بشكل يتسم بالمساواة، لذلك يتعين على الترجمة التأكيد مرة أخرى على التنوع وعلى تفعيل دورها كآلية مناهضة لعمليات التنميط العولمي في مواجهة الأبواق الدولية المهيمنة على صناعة الترجمة والتي تروج لفكر وتوجه القوى الكبرى. 

ويُعد تنوع الخطاب الترجمي من الرهانات الهامة في السنين الأخيرة، حيث ظل التوجه العلمي والتكنولوجي هو المسيطر على صناعة الترجمة في العالم وبالفعل انساق الجميع إلى الإنجراف إلى هذه الهاوية البراجماتية المادية، لنجد أنفسنا محاطين بعدد هائل من الصراعات الدامية والحروب والاقتتال والهيمنة التكنولوجية التي لم تزد الإنسانية إلا تعاسةً وشقاءً، وكان النشاط الترجمي في مجال الفنون والعلوم الإنسانية بشكلِ عام من التوجهات المنبوذة والمؤجلة بل والمنعدمة في بعض الأحيان.

كان التركيز خلال عقود مضت منصبًا على التراجم العلمية، وكأن الترجمة في التخصصات الأخرى دربًا من الرفاهية، ولكن مع تداعيات السباق نحو التفوق التكنولوجي والحربي ومغباته المتمثلة في غرس مفاهيم لاإنسانية في بعض الأحيان، شهدت السنون الأخيرة عودة لحظيرة الإنسانيات بحثًا عن تحقيق السعادة والسلام النفسي الداخلي للفرد الذي تقوم عليه المجتمعات. فغرس قيم التسامح وحدها هي القادرة على مواجهة العنف المتنامي واسترداد الإنسان لإنسانيته هو الحل الأوحد لإنارة العقول، فهل تأتي الدعوة إلى التنوع لتعيد للمجالات الإنسانية دورها في النهوض بالإنسان؟ هل نجد تراجم ممنهجة هدفها إسعاد البشر كما شهدنا مؤخرًا نشأة هيئات ووزارات مهمتها العناية بإسعاد الفرد وتحقيق جودة الحياة له؟ ربما على التنوع أيضًا أن يشمل ذلك البُعد الإنساني المفقود والذي بدأ يشهد صحوة على الخطاب الترجمي أن يواكبها. 

وذلك إنما يقودنا إلى دور العالم العربي في إثراء هذا التنوع واللحاق بركب الحراك الترجمي الذي يسعى للخروج بالعالم من الدهاليز المعتمة للهيمنة اللغوية والأيدلوجية والمادية، ما هي الخطط المؤسساتية التي وضعها وطننا العربي لإعادة الصحوة لصناعة الترجمة فيه واستعادة دوره الرائد والتاريخي في توجيه النشاط الترجمي وإدارته أو حتى إيجاد مكانة خاصة له فيه تخرج به عن مرمى المتلقي ليكون راميًا، مبدعّا وليس محاكيًا، سباقًا وليس تابعًا.

إن رهان التنوع خادع ظاهريًا، فهو بمثابة تحد قوي، فقط الكيانات الصلبة ستكون قادرة على تنفيذه، فالقوة المستقبلية لن تكون قوة السلاح ولكنها القوة الناعمة التي تنسل بيننا وتتغلغل في فكرنا وتشكل وجداننا، وسلاح الترجمة ونشر المعرفة من الأدوات الهامة اللازمة للتسلح لكل أمة عازمة على المشاركة في صناعة المستقبل.

د. جيهان عيسوي

أستاذ مشارك

قسم اللغة الفرنسية والترجمة

0
قم بتقييم هذا المحتوى

إضافة تعليق جديد

Image CAPTCHA