هل سألت نفسك هذا السؤال؟

طرحت المقالة السابقة بعنوان «الذكاء الوجداني مفهوم مثير للجدل!» وذكرت فيها كيف أثار هذا المفهوم اهتمام علماء النفس، واختتمت المقالة بذكر أنه بالرغم من تعدد التعريفات والاتجاهات التي تناولت هذا المفهوم إلا أنها تعبر عن هدف الذكاء الوجداني في مساعدة الفرد لتحقيق قدر من الصحة النفسية، ومن ثم يؤثر على حياتنا، ونوضح في السطور القادمة كيف يحدث ذلك.

يمضي بنا العمر، وتتوالى الأيام، وقد يطول بأحدنا العمر إلى ما شاء الله، أو يقصر، ولكن في هذه الرحلة هل وجهت إلى نفسك أحد من هذه الأسئلة: هل لدي وعي بذاتي؟ هل أستطيع أن أفهم حقيقة مشاعري وانفعالاتي والأسباب الحقيقية وراءها؟ وكيف أستثمر هذه المشاعر والانفعالات- مهما كان نوعها- وأحولها إلى طاقة إيجابية تساعدني على أن أمتلك درجة مناسبة من الصحة النفسية تعينني على مواجهة صعوبات الحياة ومتطلباتها؟

إن كنت قد سألت نفسك هذا السؤول فهو شيء رائع، وسوف تساعدك هذه المقالة في أن تستمر في محاولات فهم ذاتك وتوجيهها الوجهة الصحيحة، وإن لم يكن هذا السؤول قد مر بذهنك فهي مشكلة كبيرة، وسوف تنبهك هذه المقالة إلى أهمية أن تكتشف ذاتك، وتعيد حساباتك.

تناول نخبة من العلماء أمثال «جولمان، ماير، سالوفي، سيجال، جورجي، وغيرهم» بالدراسة مكونات الذكاء الوجداني، واتفقت الغالبية منهم أن هناك أربعة أبعاد رئيسة تشكل في مجملها مفهوم الذكاء الوجداني، ويلعب كلٌ منها دوراً مؤثراً في حياة الناس، وإكسابهم قدراً من الصحة النفسية، وأول هذه الأبعاد وأهمها هو الوعي بالذات Self – Awareness، ويعرفه العلماء بأنه وعي الفرد بانفعالاته وتقييمها، بحيث يكون هذا الوعي هو الأساس لقدراته، ومن ثم فإنه يؤثر على مشاعره، لأن إدراك الفرد بحالة الغضب لديه «مثلاً» سوف يوفر له درجة كبيرة من الحرية ليختار عدم إطاعة هذا الشعور، بل أيضاً  يتيح له خياراً آخر وهو محاولة التخلص منه.

ويذكر علماء النفس أن الوعي بالذات أيضاً هو القدرة على الانتباه والإدراك الجيد للانفعالات والمشاعر الذاتية، والوعي بالعلاقة بين الأفكار والمشاعر والأحداث، وبدون القدرة على الوعي بالذات والتعرف على انفعالاتنا ومشاعرنا، لن يتسنى لنا التعامل بمصداقية مع الآخرين أو الانطلاق بخطى إيجابية مهما تعاظم حظنا من الذكاء المعرفي، لأن الوعي بالذات ببساطة شديدة يعني إدراك الفرد لأحواله الداخلية والانفعالات المختلفة، والوعي بالأفكار المرتبطة بهذه الانفعالات، وكيفية استخدامها في اتخاذ القرارات، وعلى قدر نجاح الفرد في فهم ذاته على قدر نجاحه في اتخاذ قراراته في الحياة.

ما يثير الاهتمام هو أن الأفراد يختلفون فيما بينهم من حيث الدرجة التي من خلالها يكونون واعين بذواتهم ومن ثم بالدرجة التي من خلالها يكونون قادرين على التعبير عن انفعالاتهم ومشاعرهم، سواء كان هذا التعبير بصورة لفظية أم غير لفظية، لذا قسم العالمان «الأعسر، وكفافي» الناس من حيث انتباههم لمشاعرهم إلى ثلاثة فئات هم: الواعون بذواتهم: وهم الذين يتمتعون بصحة نفسية جيدة، وحين يصابون بحالة مرضية فإنهم لا يتوقفون عندها، بل يكونون قادرين على الخروج منها بسرعة، ويدفعهم تقديرهم للأمور إلى معالجة مشاعرهم ووجداناتهم بسرعة، أما الفئة الثانية فهم المنجرفون وراء مشاعرهم: وهؤلاء عاجزون عن تفادي انفعالاتهم ومشاعرهم السلبية، ويشعرون بأنهم لا يملكون التحكم في حياتهم الوجدانية، أما الفئة الثالثة فعم المتقبلون لذواتهم: ولدى هؤلاء رؤية واضحة عن مشاعرهم، وهم متقبلون لها، ولذلك لا يحاولون تغييرها.

ونخلص من ذلك أن الوعي بالذات أعمق كثيراً من مجرد تعرف الفرد على مشاعره السلبية والإيجابية، بل هو إدراك كامل للأسباب الحقيقية لهذه الانفعالات والمشاعر، تجاه ذاته والآخرين، ويؤثر ذلك كله على صحته النفسية وقدرته على اتخاذ القرارات التي تدعمه شخصياً، وتراعي في نفس الوقت الآخرين، ولن يمتلك الفرد هذه القدرة إلا عندما يمتلك وعياً حقيقياً بذاته وبالآخرين، هذا الوعي هو الذي يدفع الفرد إلى مزيد من الإيجابية، واستثمار ذلك لدعم صحته النفسية، فهل يعي كل منا ذاته؟ تلك هي المشكلة.

د. طه عمر

المستشار الإعلامي لمكتب وكيل الجامعة للتخطيط والتطوير

مشرف وحدة العلاقات العامة والإعلام بعمادة التطوير والجودة 

Drtahaomar @

0
قم بتقييم هذا المحتوى

إضافة تعليق جديد

Image CAPTCHA