من صور تواضعه صلى الله عليه وسلم

 

 

 

كان النبى صلى الله عليه وسلم مثالًا للتواضع، يجيب دعوة العبد، ويستمع للأَمَة، ويركب الحمار، ويحمل أغراضه، ويطوف فى الأسواق، ويأكل على الأرض، ويعقل الشاة، ويخيط نعله وثوبه بيده الشريفة، ويزور المهاجرين والأنصار فى بيوتهم، ويسلم على صبيانهم، ويمسح رؤوسهم، وكان يجلس مع أصحابه كواحد منهم، فلم يكن له مجلس يميزه عمن حوله، حتى إن الغريب الذي لا يعرفه، إذا دخل مجلسًا هو فيه، لم يستطع أن يفرق بينه وبين أصحابه، فكان يسأل: أيكم محمد؟

وقد تعددت مظاهر تواضعه صلى الله عليه وسلم، وفي تعددها دعوة لأصحابه وأحبابه أن يتواضعوا؛ فالتكبر مهلكة، وباب من أبواب الشرور؛ فهو يفتح أبواب الحقد على مصراعيها، وينمّي في القلوب مخالب الكراهية، ويبرز قبائح النفوس، عكس التواضع الذي تُستمال به القلوب، وتعم به السكينة، وتنتشر بفضله الطمأنينة.

ومن أبرز مظاهر تواضعه صلى الله عليه وسلم رفضه التبجيل والتجليل والإكبار والتعظيم، فكان ينهى أصحابه عن مدحه ورفعه إلى مكانة غير المكانة التي وضعه الله فيها، فعندما سمع أحد أصحابه يناديه قائلًا: «يا محمد، يا سيدنا، وابن سيدنا، وخيرنا، وابن خيرنا» نهاه عن هذا القول، وعلّمه ماذا يقول، وقال: «أنا محمد بن عبدالله، عبدالله ورسوله، والله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله عز وجل». «أخرجه أحمد والنسائي».

وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تطروني كما أطْرَت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبْدُه، فقولوا عبدالله ورسوله». «أخرجه البخاري».

ورفضه صلى الله عليه وسلم أن يكون نبيًا ملكًا، وإصراره على أن يكون نبيًا عبدًا، فقد قال صلى الله عليه وسلم لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: «يا عائشة، لو شئتُ لسارت معي جبال الذهب، جاءني ملك، فقال: إن ربك يقرأ عليك السلام، ويقول لك: إن شئت نبيًا عبدًا، وإن شئت نبيًا ملكًا، قال: فنظرت إلى جبريل، قال: فأشار إلي أن ضع نفسك، قال: فقلت: نبيًا عبدًا، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك لا يأكل متكئًا، يقول: آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد». «أخرجه الطبراني».

ولم يرض من أصحابه أن يفضّلوه على الرسل عليهم السلام، فقد ثبت أن رجلًا من المسلمين ورجلًا من اليهود سب كل واحد منهما الآخر، فقال المسلم لليهودي «والذي اصطفى محمدًا على العالمين»، فقال اليهودي: «والذي اصطفى موسى على العالمين»، فرفع المسلم يده عند ذلك وضرب اليهودي على وجهه، فذهب اليهودي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بما حدث، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم المسلم، فسأله عن ذلك، فأخبره بالذي جرى، فطلب النبي صلى الله عليه وسلم من صحابته ألا يفضلوه على أحد من الأنبياء، وأخبرهم عن منزلة موسى عليه السلام، وأنه يوم القيامة يكون مع النبي، ومن أول الذين تنشق عنهم الأرض يوم القيامة. «أخرجه البخارى ومسلم».

وقال صلى الله عليه وسلم: «لا تخيروني على موسى، فإن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق، فأجد موسى ممسكًا بجانب العرش، فلا أدري أكان فيمن صعق فأَفاق قبلي، أم كان ممن استثناه الله تعالى». «أخرجه أحمد». كما رفض صلى الله عليه وسلم أن يتميز عن سائر البشر، وقال للذي قال له: يا خير البرية: «ذاك إبراهيم». «أخرجه مسلم».

ومن مظاهر تواضعه صلى الله عليه وسلم تواضعه مع أصحابه ومشاركتهم العمل، فعن البراء رضي الله عنه قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب ينقل التراب، وقد وارى التراب بياض بطنه». «أخرجه البخارى».

وكان يسير مع الضعيف والفقير والأمة والعبد والأرملة، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «كانت الوليدة من ولائد المدينة تجيء فتأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما ينزع يده من يدها حتى تذهب به حيث شاءت». «أخرجه أحمد».

وعنه رضي الله عنه أن امرأة كان في عقلها شيء، فقالت: يا رسول الله، إن لي إليك حاجة. قال: «يا أم فلان، انظري أي السكك شئت حتى أقضي لك حاجتك. فخلا معها في بعض الطرق حتى فرغت من حاجتها» «أخرجه مسلم».

وكان صلى الله عليه وسلم يزور خدمه، فعن أنس  قال: كان غلام يهودي يخدم النبي صلى الله عليه وسلم، فمرض فعاده النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «أتشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟». فنظر الغلام إلى أبيه، وهو عند رأسه، فقال له أبوه: أطع أبا القاسم، فأسلم ثم مات، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من عنده وهو يقول: «الحمد لله الذى أنقذه بى من النار». «أخرجه أحمد».

وكان صلى الله عليه وسلم، يرفض أن يقوم له أصحابه تعظيمًا، ولم يردّ هداياهم مهما قل شأنها، ومهما كانت قيمتها، جبرًا لخواطرهم، ولم يرفض دعواتهم إلى الطعام مهما كان بسيطًا، فكان يجيب الداعي ولو على خبز الشعير، ولو على طعام يأنفه. وقد قال صلى الله عليه وسلم في ذلك: «لو دعيت إلى ذراع أو كراع لأجبت، ولو أهدي إليّ ذراع أو كراع لقبلت». «أخرجه البخاري».

وكان صلى الله عليه وسلم متواضعاً حتى مع أهل بيته ويعمل فى بيته، فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخصف نعله، ويخيط ثوبه، ويعمل في بيته كما يعمل أحدكم في بيته، وقالت: كان بشرًا من البشر يفلي ثوبه، ويحلب شاته ويخدم نفسه». «أخرجه أحمد».

ولم يعرف التكبر طريقًا لنفس رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعاش ما عاش كواحد من أصحابه رضوان الله عليهم، يقول الحسن بن علي رضي الله عنهما: «لا والله ما كان يغلق دونه الأبواب، ولا يقوم دونه الحُجَّاب، ولا يغدى عليه بالجفان ولا يراح عليه بها، ولكنه كان بارزًا، من أراد أن يلقى نبي الله لقيه، كان يجلس بالأرض ويوضع طعامه بالأرض، ويلبس الغليظ، ويركب الحمار ويردف بعده، ويلعق والله، صلى الله عليه وسلم».

من «حلية الأولياء وطبقات الأصفياء».

د. أبو المعاطي الرمادي

كلية الآداب ـ قسم اللغة العربية

0
قم بتقييم هذا المحتوى

إضافة تعليق جديد

Image CAPTCHA