توطين التقنية يعزز التنمية

تحدثت في مقال الأسبوع الماضي عن أهمية نقل وتوطين التقنية ومعاييرها وضوابطها، باعتبارها من الركائز المهمة التي تعتمد عليها الدول النامية لتحقيق معدلات نمو اقتصادي مرتفع، يضعها في قائمة الدول المنافسة في مجال الإنتاج والتصدير وتقليل الاعتماد على الواردات.

وأضيف اليوم أن من جملة أهداف نقل التقنية أن نطوعها بما يناسب قدراتنا البشرية ومواردنا الاقتصادية، فالطموح إلى حياة أفضل هو الشعار الذي ترفعه الأكثرية الكبرى من الشعوب النامية في عالم يعج بالحركة والإنتاج والتقدم العلمي المذهل، والإبداع والتطوير في التقنية هو أحسن طريق يؤدي للتفوق والنهوض الاجتماعي والاقتصادية والعسكري.

والتقنية تأتي على أساس الأهمية المعارة للمعرفة كمصدر للفهم ومقياس للنوع كذلك التنظيم الواعي في تنمية الفكر الإنساني كجزء من اكتناه المجهول والبحث عن الحقيقة، إذن نحن الآن في مواجهة تقنية نوعية وتجربة فريدة في نقلها وتطويعها وتوطينها.

إن السيطرة على النوعية في تحقيق مستويات الكفاية والجودة وتحسين وسائل التدريب وتطوير الأبحاث كلها عوامل مرتبطة بالجانب البشري الذي يكاد يكون أهم العناصر في نقل التقنية المتطورة إلى البلدان النامية، ومهما يكن من أمر فإن توطين التقنية في بلد ما يخدم عملية التنمية، كما أن عملية التنمية تخدم عملية توطين التقنية.

ولا شك أن من شأن العوامل البشرية أن تدعم العلاقة بين نقل التقنية وتوطينها والاستحواذ عليها، ويأتي هذا الدعم من خلال عملية الضبط البشري في الاتجاه الموازي لمقومات واحتياجات التنمية ولإحباط التحديات التي تواجهها في وقت واحد، ومن شأن هذا الدعم أن يكسب الصناعة تفوقًا في الأداء لحساب النمو والتطور، وقد يدعو التوطين لحساب النمو أو النمو من خلال التوطين إلى استقطاب صناعات وابتكارات جديدة لكي تقوم إلى جانبها وتتكامل معها.

إن الحضارة، أي حضارة إنسانية، تقوم على التغيرات التقنية المستجدة، وهي شكل من أشكال الثقافة التي يتعلمها الإنسان وتصبح بالنسبة له من المقومات الرئيسة في ارتباطه بالحياة واستمراره بها، فالمعرفة التقنية والعلمية التي في متناولنا تكفينا للقضاء على أعدائنا الأربعة: الفقر والجهل والتخلف والمرض، وتهيئ لنا كذلك بيئة نظيفة آمنة نعيش على أديمها وفي كنفها حياة أفضل. 

إن الأمل الأكبر معقود على دَور العلم ومؤسساته كقوة علمية ومعرفية موجهة في أي مجتمع منوط بالتقنية ومعطياتها، فالإنسان المعاصر يزداد تفهما للاكتشافات العلمية والمخترعات الحديثة والابتكارات المستجدة، مما يحفزه على التعمق في البحث والاستقصاء ومن ثم الابتكار والاكتشاف، ولذا تم اكتشاف الفضاء وتسيير المركبات الفضائية للاتصالات واستغلال الطاقة الشمسية والتحكم عن بعد وتحلية المياه وتحولات الطاقة من صورة لأخرى ونقل الصور على موجات محملة، كذلك استنباط الموصلات وأشباه الموصلات والمفرطة في التوصيل والدوائر المتكاملة والخلايا الضوئية، وكل أو جل هذا، أدى إلى التصميمات الدقيقة والموجات المتناهية الصغر وتخزين الطاقة في خلايا دقيقة.

في الأعداد القادمة سنستعرض تجارب بعض الدول التي كانت تعد من دول العالم الثالث، بيد أنها تبنت التقنية واتخذت منها مطية لتنطلق بها في مناحي التنمية والتطور والارتقاء والتصنيع، لعلنا نستلهم من تلك التجارب دروسًا وعبرًا تضيء أمامنا الطريق وتزيل منه العقبات، وتعوّدنا على الصبر والتأني وبذل الجهد الدؤوب والعمل الجاد في تبني هذه الظاهرة العجيبة في عصرنا الحديث من أجل الوصول إليها والحصول عليها وتوطينها في بلداننا العزيزة. 

أ. د. عبدالله بن محمد الشعلان

كلية الهندسة

0
قم بتقييم هذا المحتوى

إضافة تعليق جديد

Image CAPTCHA