التقنية بين النقل والتوطين: التجربة المصرية

تعد مصر بتاريخها التليد وتراثها الثري وإرثها الباقي وحضارتها العريقة، أم التقنيات التي لم يكن العالم يعرف عنها، وترتكز الحضارة المصرية القديمة في الشمال الشرقي لأفريقيا على ضفاف نهر النيل فيما يعرف اليوم بجمهورية مصر العربية، وقد بدأت حوالي العام 3150 ق.م ثم تطورت على مدى الثلاث ألفيات اللاحقة.

ولقد تركت مصر القديمة إرثاً باقياً للإنسانية جمعاء وأخذ منها اليونانيون القدماء الكثير وتلاهم الرومان، ونُسخت وقُلدت الحضارة والفن والعمارة المصرية على نطاق واسع ونقلت آثارها إلى بقاع بعيدة من العالم، كما ألهمت الآثار والأطلال والرموز «كليوباترا، المعابد، أبو الهول» خيال الشعراء والفنانين والرسامين والكتاب لعدة قرون، وأدت اكتشافات في مطلع العصر الحديث عن آثار وحفريات مصرية إلى أبحاث علمية للحضارة المصرية تجلت في علم أطلق عليه علم «المصريات»، ومزيداً من التقدير لتراثها الثقافي في مصر والعالم. كما أن وادي النيل «وهو هبة الله لمصر» مكنها من غرس وإنبات المحاصيل الزراعية وبخاصة محصول القطن الذي أتاح لمصر وهيأها لأن تكون رائدة في زراعته وتصنيعه وتسويقه.

ما سبق يدل دلالة واضحة على أن مصر عرفت التقنية قبل معرفتها بالعلوم الأساسية بدليل أن المصريين بنوا الأهرامات دون أن يعرفوا قانون «الروافع»، كما أن التحنيط «حفظ أجساد ملوك الفراعنة» ظل سرًا من أسرار الفراعنة حير علماء الكيمياء والطب والآثار. ووصفه البعض بأنه كان فنًا رفيع المستوى مارسه الطب المصري القديم.

وإذا حصرنا حديثنا هنا عن مسيرة التقدم التقني في مصر في عصرنا الحديث فإن من المعلوم أن التقنية العلمية قد ترسخت ونمت وتطورت في مصر بفضل تقدمها العلمي وتطورها المعرفي، إذ حرصت مصر منذ حكم محمد علي على الارتقاء بالتربية والتعليم والتعليم العالي بوجه خاص لتوفير الكوادر القادرة على قيادة قوافل التطور العلمي والثقافي والنمو المعرفي والتقني، حيث بدأت بإيفاد البعثات إلى أوروبا تمهيدًا لإنشاء مدارس عليا متخصصة في مجالات الطب والهندسة.

وقد توج هذا الجهد في بداية القرن العشرين بافتتاح جامعة القاهرة والتي تعتبر أول جامعة تحتضن كليات علميه في الوطن العربي، وتخرج فيها العديد من العلماء من مصر ومن مختلف الدول العربية والإسلامية، تلا ذلك إنشاء العديد من الجامعات المصرية المرموقة والتي يربو عددها في وقتنا الحاضر على أكثر من 26 جامعة حكومية بالإضافة إلى العديد من الجامعات الخاصة، مما شهدت مصر معه قفزات كبرى في مجال نقل وتوطين التقنيات الحديثة في كافة المجالات، حيث تم إنشاء وزارة متخصصة للبحث العلمي بجانب وزارة التعليم العالي، كما تم إنشاء مراكز بحوث متخصصة في مجالات الطب والهندسة والزراعة أخذت على عاتقها الاهتمام بالأبحاث والدراسات والاكتشافات التي قادت لإنجازات علمية وتقنيات مشهودة.

على صعيد آخر تم تنفيذ برامج متقدمة لإعداد أجيال من الخريجين من المعاهد العليا المتخصصة في التقنيات الحديثة في الكهرباء والميكانيكا والزراعة والطب والتمريض وخلافه، كذلك تم إنشاء برامج تعليمية صناعية متخصصة للمرحلة قبل الجامعية «5 سنوات بعد المرحلة الإعدادية» لإعداد كوادر فنية قادرة على تلبية احتياجات النمو التقني والصناعي، إضافة إلى إنشاء عدة مصانع في مختلف المجالات منها على سبيل المثال مصانع الحديد والصلب ومصانع الكيماويات والأسمدة ومصانع الأدوية ومصانع الإلكترونيات، كما تم الاهتمام بدخول تقنيات توليد الطاقة الكهربائية ببناء أول مفاعل نووي بأنشاص عام 1964.

في جانب آخر شرع المعهد القومي للبحوث «أبرز مؤسسة علمية وبحثية في مصر» بتقديم برامج لتشجيع المخترعين والمبتكرين لتحويل اكتشافاتهم وإبداعاتهم إلى اقتصاد معرفي، وكان آخر مشروع تبناه المعهد هو تأسيس «الحاضنة الافتراضية للإبداع والابتكارات العربية» وتتكون من عدة محاور منها محور تسويق إنتاج العلماء العرب وتسويق إنتاج الشركات المبنية على البحث العلمي، ومحور لحل مشكلات الصناعة وتطوير التقنية في الوطن العربي، كما سيطلق المعهد أيضاً برنامجا خاصًا لتحويل نتاجات البحث العلمي في مصر إلى اقتصاد يستهدف توفير فرص عمل وإحداث تنمية حقيقية وتحسين مستوى المعيشة في المجتمع المصري.

وكان لشركة «بنها للإلكترونيات» دور رائد في توطين تقنيات الإلكترونيات على مستوى تصنيع المكونات الإلكترونية مثل الصمامات الثنائية «الترانسيستورز» في أوائل الستينات، وفي تلك الفترة كان يتم تدريب المهندسين والفنيين من دولة كوريا الجنوبية على تقنيات تصنيع أجهزة الراديو والتلفزيون في مصنع بنها للإلكترونيات.

وعلى الصعيد العسكري قام الجيش المصري بإنشاء كلية عسكرية متخصصة في مجال الهندسة العسكرية كما قام بإنشاء عدة مصانع حربية لإمداد الجيش بقطع الغيار اللازمة للمعدات العسكرية وتطوير منظومات لأسلحة متطورة من طائرات قتالية وصواريخ موجهة ومركبات ومدرعات وخلافه.

وفى عام 1979 تم إنشاء الهيئة العربية للتصنيع بتمويل من دول عربية على رأسها المملكة العربية السعودية من أجل إعادة مسار نقل وتوطين التقنية في مصر، حيث تم إنشاء عدة مصانع تحت مظلة الهيئة العربية للتصنيع تقوم بتجميع منتجات عالمية مثل مصنع الإلكترونيات ومصنع المركبات، كذلك مصنع للمعدات والأجهزة الكهربائية مثل السخانات والغسالات والثلاجات والمكيفات.

ولقد اتجهت مصر في الآونة الأخيرة إلى الصناعات التجميعية مع إضافة نسبة تصنيع محلي، ويعتبر هذا من الوسائل المجدية بيد أنها قد تكون بطيئة نسبياً في نقل التقنية نظرًا لتحكم الشريك «الشركة الأم صاحبة العلامة التجارية» في نسبة التصنيع المحلي ونوعية المنتج المحلي من حيث الأجزاء الإلكترونية وعلى وجه الخصوص الأجزاء القابلة للبرمجة أو مركبات تحتوي على سوائل خاصة وعناصر دقيقة، حيث يصر الشريك على احتكار هذه الأجزاء والمركبات والعناصر ذات السرية والخصوصية لنفسه.

أ. د. عبدالله بن محمد الشعلان

كلية الهندسة

0
قم بتقييم هذا المحتوى

إضافة تعليق جديد

Image CAPTCHA