وقفات أكاديمية

الطالب لا ينسى الإهانة
د. خليل اليحيا - كلية الطب

كتب يوماً الكاتب الفلسطيني أدهم الشرقاوي إهداءً لمدرس اللغة العربية، الذي قال له وهو يقذف دفتر التعبير في وجهه إنه سوف يموت قبل أن يكتب جملة مفيدة، فكان كتابه «كش ملك» إهداءً لذلك المعلم. وأرسل مغردًا يوماً تحياته لمعلم الكيمياء الذي سخر من مستواه في وجود والدته حتى أبكاها، ثم انتهى المطاف بهذا المغرد لأن يكون أصغر من يحصل على الدكتوراه في طب الأورام. الطالب لا ينسى الإهانة، وتكون تلك الإهانة أقسى عندما تصدر من إنسان هو افتراضاً مصدر الإلهام الأول للطالب، إذ يراه شخصاً جديراً بالاحترام والاقتداء.
الإهانة تستفز حواس الإنسان وتؤثر في مشاعره وكبريائه، فقد تدفع هذه الإهانة الطالب إلى القيام بردة فعل إيجابية وتحقيق نجاحات كبيرة ومؤثرة كما حصل مع الكاتب أدهم الشرقاوي، ومع ذلك المغرد، وبالمقابل، قد تعمل تلك الإهانة على تحطيم الطالب وتكبيله بالفشل وعدم المضي بعيداً في دراسته فيكون الانسحاب عرضاً لانهيار شخصي يُلازم الطالب بسبب عبارات غير مسؤولة وإهانات يلقيها المعلم في لحظة غضب لا يلقي لها بالاً لكنها تستقر في عاطفة الطالب ووجدانه قبل أن تلامس عقله وحواسه. وتزداد الإهانة سوءاً عندما يكون الفصل أو قاعة المحاضرات مسرحاً لهذه الإهانة وأمام زملائه وأصدقائه فيكون منهم من يحزن له ويتعاطف معه، ومنهم من يسخر منه ويتهكم، وتكون النتيجة انكسارًاداخليًا وانعدامًا للثقة بالنفس.
كثير من الأبحاث والدراسات العلمية في مجالات التربية والتعليم تؤكد أن اللغة المستخدمة في الفصول والقاعات الدراسية، والعبارات المرسلة تلعب دوراً كبيراً في تشكيل شخصية الطالب، فاللغة الإيجابية من المعلم والقائمة على الاحترام والتقدير والتشجيع والتحفيز تخلق بيئة مثالية للتعلم وتساعد الطالب على إخراج أفضل ما لديه من ملكات فكرية ومهارات شخصية، وذلك على العكس من اللغة السلبية التي تعتمد في أدواتها على السخرية والتهكم والاستهزاء وتحطيم المعنويات وتقزيم الاجتهادات التي يقوم بها الطلاب، فهذه اللغة تخلق بيئة عدائية ومتوترة في القاعات الدراسية، وتعمل على تكريس الفشل والإخفاق عند الطالب ليكون مع مرور الوقت عبئاً على أهله ومجتمعه وعلى مسارات التنمية الوطنية، وكان من الممكن تلافي كل هذا لو انتقى المعلم والأستاذ عباراته وكبح جماح غضبه وقدّم حسن الظن بطلابه وتعامل معهم كزملاء وأبناء وأصدقاء.
ولعل أفضل ما يخرج به المعلم من مشواره في التعليم والممتد لسنوات هي تلك الذكري الجميلة وعبارات الثناء التي تنطلق من أفواه طلابه الذين ربما كثير منهم أصبحوا يتبؤون مناصب عليا قيادية ومهنية، وحين يرد اسم هذا المعلم أو الأستاذ في المجالس والمنتديات والحوارات، يأتي مع الاسم تلك الطاقة الإيجابية والسعادة الشخصية التي تقف خلفها سنوات من العطاء والإحسان تخرج فيها كوادر تمتهن العطاء والإنتاج وتنشر المزيد من الإحسان.
عزيزي المعلم والأستاذ، أنت بالخيار، وأنت من يقرر، فإن شئت أن تكون ملهماً ومعياراً للاقتداء والاحترام فعليك انتقاء عباراتك وكلماتك وبناء علاقات إيجابية مع طلابك، أو قد ينتهي بك المطاف لأن تكون مجرد كلمات عابرة في إهداء أو تغريدة لطالب لم ينس تلك الإهانة.

 

0
قم بتقييم هذا المحتوى

إضافة تعليق جديد

Image CAPTCHA