رحيل الخنيزي وسقوط «البوص»

ذاكرة صحيفة «رسالة الجامعة» حية نشطة، فهي لا تنسى مؤسسيها ومشرفيها ومخضرميها الذين عاصروها فكرة ووليدة تحبو حتى استقام عودها واشتد، لتصبح إحدى أفضل الصحف الجامعية على المستوى العربي، لم تتوقف أو تنقطع عن الصدور طوال مسيرتها التي اقتربت من خمسة عقود، فهي تذكر كل من ساهموا في مسيرتها بالفكرة والرأي والقلم والريشة؛ وفاءً وتقديراً لعطاءاتهم وإنجازاتهم التي نقلتها إلى مستوى المنافسة مع الصحف اليومية.
من هؤلاء، الفنان الموهوب صاحب القلم «البوص» النابض بالجمال والجاذبية مصطفى بن عبدالهادي الخنيزي، القادم من محافظة المنوفية بجمهورية مصر العربية، والذي انضم إلى طاقم الصحيفة في بدايات نشأتها عام ١٩٧٥م، قادماً إليها بحماس وطاقة «مُجَنَّد» شارك في تحقيق انتصارات معركة العبور عام 1973م، حمل أقلامه وريشته بعد خدمته في الجيش المصري، فكان ٍمن أوائل الذين وطئت أقدامهم مكاتب الصحيفة حين كانت كلية الآداب في شارع الجامعة بالملز، وذلك نتيجة لحرص الدكتور «أسعد عبده» أول مشرف على صحيفة «رسالة الجامعة» لاستقطاب أفضل الكفاءات والخبرات والمهارات من الداخل والخارج للمشاركة في وضع لبناتها وتشييد أعمدتها على أسس راسخة ضماناً لمتانتها وقوتها واستمراريتها.
تميّز الخنيزي بالهدوء والتركيز في عمله، واتّصف بالإخلاص والغيرة على الصحيفة والجامعة، فكان لا يمل من الاستجابة لكل طلب من عمداء الكليات ورؤساء الأقسام في كتابة اللوحات والبنرات ورسم الخرائط وتصميم النماذج التعليمية والإرشادية والشعارات والوشاحات والدروع التي أتقنها جميعها بمهارة فائقة.
كان مكتبه عبارة عن ورشة تغلب على مقتنياتها «أقلام البوص» وهي أقلام خشبية تستخدم مع المحبرة، وتفوح منها رائحة الحبر، تجلس إليه وعيناك مشدودتان تتابعان حركة أنامله السحرية في إعداد «مانشيتات» الأخبار والعناوين الفرعية المتنقلة بين خطوط النسخ والرقعة والفارسي والديواني والثلث والكوفي وغيرها، وقد وُصف ذات يوم بأنه أفضل الخطاطين في الرياض آنذاك.
انتقلت إليه مسؤولية التصميم اليدوي للإعلان التجاري الذي أدخلته الصحيفة عام ١٤٠٤هـ وبرع في هذا الفن بصورة مذهلة، وبعد أن أطلَّت الحروف الإلكترونية منافساً للحروف اليدوية المعروفة بجمالياتها وزخرفاتها وزركشاتها؛ تواصلت إبداعاته مواكباً للتقنية الحديثة بتصميم الإعلان على جهاز «الماكنتوش» عام ١٤١٣هـ، دون أن يترك الخط اليدوي.
في نهاية عام ١٤١٨هـ ودعته «رسالة الجامعة» بعد خدمة 23 عاماً، حيث قدّم استقالته ليلحق بأهله في «المنوفية» وليكون بقرب ابنه «أحمد» الذي التحق بالجامعة، وكنتُ على اتصال وتواصل معه بين حين وآخر، ولكني تفاجأت في الأسبوع الماضي برسالة بريد إلكتروني تنعي الفنان الخنيزي.
لقد تكسرت سنان أقلام «البوص» وجفّ الحبر وانكسرت المحبرة؛ رحم الله «أبا أحمد» ورحم زميله مصور الصحيفة «محمد جمال إسحاق»، وحفظ الله الأحياء الذين كانت لهم بصمات واضحة في بناء الصحيفة طلاباً وموظفين وأساتذة ومشرفين.

عبدالله بن عبدالمحسن الفليج

0
قم بتقييم هذا المحتوى

إضافة تعليق جديد

Image CAPTCHA