المجلات العلمية في ضوء رؤية 2030

 

 

يعيش العالم اليوم نهضة معلوماتية وتدفقاً معرفياً كبيراً، ويشهد تحولات متسارعة، وسباقاً لا يتوقف في سبيل الحصول على المعرفة والإفادة منها، وأصبحت مواكبة مجتمع المعرفة أمراً ضرورياً، ولا سبيل لامتلاك المعرفة إلا بالبحث والنشر العلمي اللذين يعتمدان على عدد البحوث المنشورة في المجالات العلمية المعروفة لدى هيئات التصنيف، وتأثير هذه البحوث من خلال عدد مرات الإشارة إليها في دراسات الآخرين.

يعد النشر العلمي أحد أهم المقاييس المستخدمة لتقدير مستوى النتاج العلمي، إذ لا قيمة للعلم ما لم ينشر ويتاح لخدمة البشرية، وذلك من منطلق أن العلم عالمي النزعة، وأن المعرفة لا وطن لها، ومن لم يواكب هذه النهضة عاش مرحلة التخلف والانفصال عن عالمه وواقعه.

لا شك أن الحراك العلمي والنشر في المجلات العلمية قد تضاعف في السنوات الأخيرة نتيجة زيادة أعداد الباحثين النشطين، وأصبحت الساحة العلمية تشهد تنافساً بين الباحثين للنشر في المجلات العالمية لاسيما المدرجة في قواعد بيانات «ISI» و«Scopus»، وحتى من لم ينشر سابقاً في هذه المجلات بدأ يحرص على النشر فيها، ومن كان إنتاجه العلمي في السابق ضعيفاً بدأ في الآونة الأخيرة يزداد رغبة في الوصول إلى العالمية.

وقد تصدرت جامعة الملك سعود القائمة من بين المؤسسات الأخرى المعنية بالإنتاجية العلمية، رغم أن جميع قطاعات الدولة مسؤولة عن النهوض بالبحث العلمي، ونشر نتائجه، وإتاحته للآخرين.

وتعد المملكة العربية السعودية في مقدمة الدول العربية في هذا المجال، إذ تشير الإحصائيات أن عدد المجلات العلمية المحكمة التي تصدر في المملكة بلغ أكثر من 320 مجلة، وتضاعف إنتاج المملكة العلمي المنشور في الدوريات العلمية العالمية عشرة أضعاف عما كان سابقاً خلال السنوات الأخيرة، وقد احتلت المملكة المرتبة الأولى عربياً في إنتاجها العلمي للأعوام الأخيرة، وتطور ترتيبها عالمياً، وأسهمت الجامعات بالنصيب الأكبر في هذا الإنتاج العلمي السعودي.

وتعزى الزيادة المطردة في النشر العلمي المميز في المملكة إلى عدة أسباب منها دعم حكومة خادم الحرمين الشريفين الرشيدة لميزانية البحث العلمي، وجعلها على قمة أولوياتها، وإقرار مجلس الوزراء حوافز أعضاء هيئة التدريس السعوديين بالجامعات للنشر في مجلات «ISI» فقط دون غيرها ولبراءات الاختراع والاكتشافات العلمية، إضافة لإقرار الجامعات مكافآت في التميز البحثي وجودة النشر لأعضاء هيئة التدريس من السعوديين وغير السعوديين، وتوجه الجامعات نحو ربط جميع مجلات الجامعة ومجلات الجمعيات العلمية التابعة للجامعة مع ناشر دولي مثل «السيفير» و«سبرنجر»، وبذلك تحوَّلت تلك المجلات من المحلية إلى العالمية، ومنها ما أدرج في قوائم مجلات «ISI»، فتوافرت أوعية نشر «ISI» أكثر لمنسوبي الجامعات. 

كذلك فإن التحالفات الدولية والبرامج التطويرية التي انتهجتها الجامعات زادت من دعم القطاع الخاص والتعاون الدولي الذي ينتج نشراً علمياً مميزاً، وأدت لتفعيل أكبر لبرامج الشراكة والتوأمة العلمية مع مؤسسات تعليمية وبحثية عالمية وإقليمية ومحلية.

ومن بين العوامل أيضاً ازدهار الحركة العلمية، بما في ذلك التأليف، والترجمة، وتطور تقنية الطباعة والنشر، ونحو ذلك من المرتكزات الأخرى التي كان ولا يزال لها دور ملموس في بناء نهضة علمية شاملة، وبذلك انتعشت المسيرة العلمية والبحثية، ونشرت المجلات العلمية الورقية على نطاق واسع.

وهذا الزخم الهائل في المجلات العلمية المحكمة في المملكة يستدعي من المعنيين وقفة متأنية لدراستها دراسة علمية وفق رؤية المملكة 2030، فالحاجة ملحة للبحث عن آليات لتقويم هذه المجلات واتباع الفكر العلمي في إدارتها وتحسين أدائها من حيث الرصانة والقوة والمعيارية والالتزام بالتحكيم وآلياته، والنشر المتميز والمفيد وفق رؤية تحريرية قوية، وتقع هذه المسؤولية على عاتق المؤسسات غير الربحية، وأبرزها الجامعات ومراكز البحوث والجمعيات العلمية والمهنية.

تأسيساً على ما سبق، ومن أجل أن تسهم هذه المجلات في تحسين المسار الحالي لها، وجعلها أكثر فاعلية في دعم النشاط العلمي أقترح الآتي:

- ضرورة الاتفاق على قواعد نشر موحدة لجميع المجلات العلمية التي تصدر في المملكة؛ إذ لوحظ أن هناك تفاوتاً واضحاً في هذا الصدد، وأن عملية وضع الشروط تحكمها الاجتهادات الشخصية في أغلب الأحوال.

- زيادة الاهتمام بضبط محتويات المجلات العملية؛ من خلال إصدار كشافات ومستخلصات وأدلة وفهارس موحدة وغيرها، لتيسير سبل الانتفاع بمحتويات تلك المجلات، وتعميم فائدتها، وجعلها في متناول الباحثين والدارسين.

- توسيع نطاق توزيع المجلات العلمية السعودية في الداخل والخارج؛ بحيث تصل إلى أكبر عدد ممكن، ويمكن توظيف الإنترنت في هذا المجال، والاتفاق مع بعض الموزعين النشطين خارج المملكة؛ مما يوسع دائرة النشر، ويسهم في تعميم الثقافة العلمية.

- إجراء المزيد من التنسيق بين المجلات العلمية في المملكة العربية السعودية؛ وذلك من خلال وضع آلية لتوحيد الجهود والتكامل فيما بينها بما يخدم متطلبات التنمية، ويسهم في حل مشكلات المجتمع وتلبية احتياجاته.

- زيادة عدد المجلات العلمية عميقة التخصص التي تركز على مجال علمي واحد، مما يساعد الباحثين المتخصصين على التوجه نحو النشر فيها والابتعاد عن المجلات التي تنشر في مجالات موضوعية متعددة.

- تشكيل مجالس تحرير للمجلات العلمية وفق أسس ومعايير علمية وموضوعية دقيقة وتخويلها حق النظر الجاد في الأبحاث العلمية والبت في المسائل الخلافية بين المحكمين والباحثين.

- اختيار المحكمين وفق أسس ومعايير علمية دقيقة وتوضيح المطلوب منهم بدقة عند تحكيم البحوث، وإلزامهم بمدة زمنية محددة لا يجوز تجاوزها في تحكيمها.

- فهرسة وتكشيف المجلات العلمية، وشمولها في قواعد البيانات العالمية، وهو ما سيسهم في انتشارها عالمياً، وحصولها على عامل التأثير «Impact Factor» ومن ثم الارتقاء بجودة محتوياتها.

- إصدار المجلات العلمية في شكليها الورقي والإلكتروني، وذلك سيساعد في أرشفتها إلكترونياً، ومن ثم سيؤدي إلى سهولة شمولها في قواعد البيانات ذات النص الكامل «Full Text» وزيادة استعمالها من قبل الباحثين.

كل هذا من أجل أن تسير المجلات العلمية بخطوات واثقة وتؤكد الأسس المؤسساتية والمعايير العلمية.

وفي الأخير نعتز بوحدة المجلات العلمية بوكالة جامعة الملك سعود للدراسات العليا برئاسة الأستاذ الدكتور سالم الغامدي المشرف عليها الذي عمل على تطوير المجلات وفهرستها في قواعد البيانات «ISI» و«Scopus» و«Pubmed» و«EBSCO»، بالإضافة إلى قواعد البيانات العربية مثل: أرسيف Arcif، ودار المنظومة، ومعامل التأثير العربي.

 

عبدالعالم السامعي

طالب دكتواره  

كلية الآداب

0
قم بتقييم هذا المحتوى

إضافة تعليق جديد

Image CAPTCHA