مهام مجالس الأمناء في الجامعات 2 - 2

استعرضنا في المقال السابق هيكلة مجلس الأمناء، وتعيين الأعضاء، وبعض الاختصاصات للمجلس، وسنركز في هذا الجزء على الاختصاصات الجديدة لمجلس الأمناء، والمتمثلة فيما يلي:
إقرار الهيكل والدليل التنظيمي للجامعة، واقراره يعني اعتماده، وكانت كل الهياكل التنظيمية في الدولة تُرسل للجنة العليا للاصطلاح الإداري المختصة بذلك لاعتمادها، وبعد إلغاء اللجنة مُنح مجلس الأمناء صلاحية اعتماد الهيكل التنظيمي للجامعة، وكذلك إقرار الدليل التنظيمي لها، ومن المعروف أن الهيكل يُعتمد مرة واحدة، ثم تعمل الجامعة وفقاً لذلك الهيكل، وفي الوضع الحالي فإن الجامعة لديها هيكل إداري تنظيمي معتمد، وتبقى الدليل التنظيمي ليتم عرضه على مجلس الأمناء.
أهم اختصاص لمجلس الأمناء هو حوكمة الجامعة، والتأكد من تحقق رؤية الجامعة ورسالتها وأهدافها، والحوكمة تنصب في مراقبة أعمال إدارة الجامعة، ومتابعة مستوى الأداء لتضمن تحقيق رؤية ورسالة الجامعة، والتأكد من استخدام موارد الجامعة الكثيرة لتحقيق تلك الأهداف.
وتعتمد الحوكمة على مبادئ أساسية هي الشفافية وتركز على الوضوح في اتخاذ القرارات، والمسؤولية التي يجب أن تتحملها الإدارة العليا في الجامعة نتيجة ممارستها لأعمالها، والمساءلة عن نتائج القرارات التي تتخذها، خاصة تلك التي قد تكلف الجامعة خسائر مادية أو حتى معنوية، والعدالة وتركز على عدم المحاباة في اتخاذ القرارات داخل الجامعة، واختيار الأكفأ وليس من نعرفه، ومنح جميع الكفاءات في الجامعة مساواة عادلة في الفرص الأكاديمية والإدارية المتاحة في الجامعة، سواءً كانت شغل مناصب، أو حضور مؤتمرات، أم منح جوائز، أو خلافها.
يثير اختصاص الحوكمة لمجلس الأمناء نقطة جديرة بالبحث، وهي تمتع مجلس شؤون الجامعات في المادة السابعة بند «11» بنفس الاختصاص: «حوكمة وتقويم أداء الجامعات أكاديميًّا وإداريًّا وماليًّا».
الفرق بين النصين أن مجلس الأمناء يختص بجامعة واحدة فقط، بينما مجلس شؤون الجامعات يختص بحوكمة الجامعات كلها، ولكنها نفس الحوكمة، وإن كانت مفصلة في نص المادة السابعة: «تقويم أداء الجامعات أكاديميًّا وإداريًّا وماليًّا». فهل نحن أمام حوكمة واحدة مقسومة بين المجلسين، أم حوكمتين مستقلتين لمجلسين مستقلين.
وما من شك أن قوة مجلس شؤون الجامعات أقوى وأعظم من قوة مجلس الأمناء، ولذا تثير هذه النصوص غموضاً يستحق الوضوح.
هناك عدة فرضيات؛ إما أن تعتمد الجامعات على اختصاص مجلس الأمناء بالحوكمة، وهذا الأخير يرفع تقاريره لمجلس شؤون الجامعات عنها، وبالتالي يكتفي مجلس شؤون الجامعات بذلك، وليس له إلا أن يثير أي ملاحظات على تقارير مجلس الأمناء.
والفرضية الثانية أن كل مجلس كما أسلفنا مستقل، لا علاقة له بالآخر، ولذا كل منهما يطلب من الجامعة تحقيق قواعد الحوكمة، وقد يُدخل هذا الأمر الجامعة في تعارض بين الصلاحيات، والطلبات للمجلسين.
الاختصاص المهم الثاني لمجلس الأمناء الموافقة على تأسيس الشركات أو المشاركة في تأسيسها أو دخول الجامعة فيها شريكًا أو مساهمًا وذلك وفقًا للإجراءات النظامية، وتأسيس الشركات في البيئة الجامعية الدولية إجراء روتيني، لكنه بدأ في جامعاتنا بعد أن طلب مدير الجامعة السابق معالي الدكتور عبدالله العثمان من المقام السامي الموافقة على إنشاء شركة للجامعة، فتمت الموافقة، وصدرت ثلاثة مراسيم ملكية بإنشاء شركات في جامعة الملك سعود، وجامعة الملك فهد للبترول والمعادن، وجامعة الملك عبدالعزيز.
نظراً للنجاح الذي حققته هذه الشركات وما تفرع عنها تبنى نظام الجامعات الجديد مبدأ الاستمرار في إنشاء الشركات في الجامعات، خاصة أن مبدأ الاستثمار، وكذلك تحقيق رؤية المملكة 2030، والتي تعتمد في جزء منها على الاستثمار تحث على ذلك.
ويُفهم من عبارة الموافقة على تأسيس الشركات أن تتقدم إدارة الجامعة باقتراحها لتأسيس شركة لهدف ما، متضمنة مشروع نظام تأسيسها، وكل ما يتعلق بها، ودور مجلس الأمناء الموافقة أو الرفض على ذلك الاقتراح.
ومن اختصاص مجالس الأمناء تشكيل المجلس الاستشاري الدولي للجامعة وتحديد اختصاصاته ووضع قواعد عمله، والمجالس الاستشارية الدولية أيضاً ممارسة جامعية، وبادرت من قديم جامعة الملك فهد للبترول والمعادن بذلك، والجديد أن مجلس الأمناء هو من يشكل المجلس الاستشاري.
فهل التشكيل يكون من مجلس الأمناء ابتداءً؟ الجواب بالنفي، حيث حددت الفقرة «22» من المادة السابعة المنظمة لاختصاصات مجلس الجامعة أن يقوم مجلس الجامعة باقتراح تشكيل المجلس الاستشاري الدولي للجامعة؛ وتحديد اختصاصاته، ثم يرفع ذلك الاقتراح إلى مجلس الأمناء، الذي يقوم باعتماد ما رفعه مجلس الجامعة، غير أن مجلس الأمناء ملزم بوضع قواعد عمل المجلس الاستشاري الدولي، ومن ضمنها بالطبع مكافأة الأعضاء، وطريقة اختيارهم، ومدة عملهم، وماذا سيترتب على التقارير التي سيرفعونها.
نقطة قانونية لافتة للانتباه؛ وهي اشتراك مجلس الأمناء ومجلس الجامعة في اختيار الأعضاء، وتحديد اختصاص المجلس الاستشاري، لكن انفراد مجلس الأمناء بوضع قواعد عمل المجلس يفترض أن يُصدر تلك القواعد أولا، حتى يلتزم مجلس الجامعة بها عند رغبته في تشكيل المجلس.
أما بالنسبة لاختصاص اعتماد القواعد القانونية الداخلية في الجامعة، فقد أعطت المادة السابعة مجلس الجامعة الاختصاص في البدء بذلك، لأنه أقرب من مجلس الأمناء إلى الاحتياجات الداخلية في الجامعة، ثم يرفعها إلى مجلس الأمناء لإقرارها.
والقواعد التنفيذية يقصد بها القواعد الداخلية التفصيلية للقواعد اللائحية، التنظيمية والتنفيذية، التي يصدرها مجلس شؤون الجامعات لتلتزم بها جميع الجامعات في وقت واحد، أي تطبق في نفس الوقت على جميع الجامعات.
مثلا يُصدر مجلس شؤون الجامعات لائحة موحدة للدراسات العليا في الجامعات، تتضمن قواعد عامة تطبق على جميع طلاب الدراسات العليا في كل الجامعات، ثم يأتي مجلس الجامعة، في جامعة الملك سعود مثلا، ويقترح قواعد تنفيذية لتلك اللائحة، يرفعها لمجلس الأمناء تفصلْ القواعد العامة التي تضمنتها اللائحة الموحدة، ويترتب على هذا أن القواعد التنفيذية قد تختلف من جامعة إلى أخرى وفقاً لما تراه كل جامعة محققاً لأهدافها.
ومن اختصاصات مجلس الأمناء ترشيح رئيس الجامعة، ويرفع الاختصاص لمجلس شؤون الجامعات لإقراره، ثم يرفع لرئيس مجلس الوزراء للمصادقة على الترشيح، وإصدار أمر سامي بتعيين المرشح.
ومنح اختصاص ترشيح رئيس الجامعة لمجلس الأمناء يمنح قوة للمجلس، إلا أنه من وجهة نظري غريب. كيف ذلك؟ لو نظرنا إلى أعضاء مجلس الأمناء لوجدنا أن أغلبهم من القطاع الخاص، وتعيين رئيس الجامعة يفترض أن يكون من أهل البيئة التعليمية الأكاديمية، ولذا قد يرشح شخص متميز في الإدارة، لكنها إدارة القطاع الخاص، حيث سرعة اتخاذ القرار، والحرية في اتخاذه، والمرونة الكبيرة التي يتمتع بها القطاع في اتخاذ قراراته.
ولهذا فإن فلترة ذلك الترشيح ستكون لمجلس شؤون الجامعات، الذي سينظر إلى الجانب الأكاديمي، والتعليمي جنباً إلى جنب مع جوانب الإدارة الأخرى، ولفتة طريفة لترشيح رئيس الجامعة، إذ جردت الرئيس من لقب معالي لأنه لم يعين بأمر ملكي، ولا يتمتع بمميزات المرتبة الممتازة، وإنما يلقب بسعادة، ويتمتع بالمميزات الواردة في العقد الذي وقعه.
الموافقة على تكليف نواب رئيس الجامعة وهي مهمة كان يختص بها مجلس التعليم العالي حيث يُكلّف وكيل الجامعة بعمله ويُعفى منه بقرار من مجلس التعليم العالي بناءً على ترشيح مدير الجامعة وموافقة وزير التعليم العالي، أما في النظام الجديد فيرشح رئيس الجامعة نوابه، ويرفع الترشيح إلى مجلس الأمناء للمصادقة عليه.
ويتخذ المجلس توصياته وقراراته عن طريق الاجتماع، ويجتمع المجلس مرة كل ثلاثة أشهر على الأقل في العام الدراسي، وللرئيس أن يدعو المجلس للاجتماع إذا دعت الحاجة إلى ذلك، ولا تصح اجتماعات المجلس إلا بحضور ثلثي أعضائه على الأقل، على أن يكون من بينهم رئيس المجلس أو نائبه، وتصدر قراراته بأغلبية أصوات الأعضاء على الأقل، وعند التساوي يرجح الجانب الذي صوت معه رئيس الاجتماع، وتكون قراراته نافذة بعد خمسة عشر يوماً من تاريخ انعقاد الاجتماع الذي صدرت فيه.
هذا يعني أنه لا توجد مرجعية لقرارات مجلس الأمناء؛ بمعنى أنه لا ترفع قرارات المجلس لا لمجلس شؤون الجامعات، ولا لرئيسه، وإنما تعتبر نهائية، بمجرد صدورها من المجلس ومضي خمسة عشر يوماً من تاريخ انعقاد الجلسة التي اتخذت فيها القرارات.
والعبرة من مدة الخمسة عشر يوماً أن يُعطى من صدرت القرارات بحقه فرصة ليتظلم للمجلس لإعادة النظر في قراره، ورغم أن قرارات المجلس تعتبر نهائية في حدود الجامعة، إلا أنه يمكن التظلم منها أمام المحكمة الإدارية وطلب الغائها.
ولابد لمجلس الأمناء من أمين يتولى أعمال السكرتارية، والأمور الإدارية الخاصة به. ويختار المجلس من يراه من منسوبي الجامعة ليتولى أمانة المجلس بعد التنسيق مع رئيس الجامعة.
أخيراً؛ أتمنى أن تكون مجالس الأمناء في الجامعات الحكومية فعالة، ومنتجة، بعكس بعض تلك المجالس في الجامعات الأهلية، التي تطغى عليها أحياناً المجاملة عند اتخاذ قراراتها، والأداء لا يصل إلى الهدف الذي من أجله كونت تلك المجالس.
الجامعات الحكومية تختلف - على الأقل - في موضوع الحوكمة الذي يركز على أداء إدارة الجامعة، لأن مرجع تلك الحوكمة سيكون مجلس شؤون الجامعات، ولذا في اعتقادي أن أعمالها ستكون أكثر جدية، وفاعلة، خاصة أن مجلس شؤون الجامعات مُنح اختصاص الرقابة على أداء مجالس الأمناء والتحقق من سلامة قراراتها، وبالتالي توجيه تلك المجالس بما يحقق أهدافها، وحثها على العمل على ما فيه صالح الجامعات.

أ. د. إبراهيم محمد الحديثي
كلية الحقوق والعلوم السياسية
قسم القانون العام
alhudaithy@yahoo.com

0
قم بتقييم هذا المحتوى

إضافة تعليق جديد

Image CAPTCHA