العبقرية الخطية والفنية لأحفاد «مُقلة»

 

 

أثرى تعددُ أنواع الخطوط العربية وتنوّع أشكالها، اللغةَ العربيةَ بغنى فني وجمالي فريد من نوعه بين بقية فنون الحضارات المجاورة لها، ويعتبر هذا الثراء الفني والبصري والجمالي، مثار إعجاب الملايين من الأولين والآخرين من متذوقي الفنون الراقية.

إن مسألة بناء الحروف في حقيقتها كأشكال مجردة، بُنيت على ركائز وأسس محسوبة ومهندسة ومنظمة تطابقيا فعليا صوتيا وبصريا، وقد تعامل العرب الأوائل مع كتابة الوحي بجلال عظيم، يفوق تصوّراتنا اليوم؛ نتيجة قربهم من حبيب الله معلّم البشرية جمعاء، النبي العربي الصادق الأمين عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، والذي حثهم على إتقان العمل، والتجمّل والتزيّن وتجويد القرآن وتجميل الأصوات بالتلاوات، وكل ما يشمل الجمال في سائر العبادات والنظافة في الحياة، كذلك انعكس هذا الاهتمام على حُسن مظهر الكتابة، وكأنه سرور ترسمه ليُسرّ به الرائي، كتبسمّك في وجهه، فخطك صدقة جارية لك.

كانت تلك السنن النبوية مثل عملية برمجة النظام أو ضبط المصنع بلغة جيل اليوم، كان ذلك النظام التوحيدي الديني الإيماني الأخلاقي التجريدي الشامل لكل مناحي الحياة هي مسألة عبادة، فقد غادرَنا عليه الصلاة والسلام وقد أدى الأمانة، وحفّظ الصحابة القرآن وفقههم في الدين والحياة، واستكتب عليه السلام بين 20-40 صحابياً لكتابة رسائل ونصوص لأغراض عدة.

تحمّل الجيل الأول من الخلفاء الراشدين والصحابة والتابعين عليهم رضوان الله مسؤولية حفظ القرآن الكريم وصيانته وتعليمه وتدوينه ونقله من كلام محفوظ في الصدور إلى حروف مرسومة على السطور؛ وذلك لأسباب كثيرة لعل أهمها كثرة استشهاد حفظة كتاب الله من صحابة رسول الله في الدعوة والجهاد في سبيل الله وإعلاء كلمته ونصرة دينه، وتحرير الناس من عبادة الأشياء والأوثان والأوهام والمخلوقات.

لم يكن نسخ المصحف عملية هيّنة على كتبة الوحي من الصحابة والتابعين، هنا يبدأ التحدي عند الفنان والمصمم والمهندس والجمالي وكل قارئ جيد مفكّر، تحديات لها عدة أوجه وجودية ثقافية إبداعية بصرية؛ حيث يوجد لدينا في عالم التصاميم والفنون والهندسة والإنشاء والبناء، وكل من يعمل مع الموجودات والمرئيات بأنظمتها البنيوية، طُرُز وأساليب وأنماط وأشكال ورموز ومعاني، ويسعى الخطاط للتفاني في التعامل مع البعدَين الطولي والعرضي. 

تعتبر هذه قلب العملية الإبداعية في استديوهاتنا؛ فالحرف العربي أول أمثلة الفن التجريدي الذي لا مثيل له في الواقع، حيث ظفر بقيمة تعبيرية وجمالية ناتجة من تكوين وتراكيب حروفه بنسب ملائمة في بناء الكلمة بوصفها وحدة اتصال بما قبلها وبما بعدها من الكلمات، ولهذا التفرد كتب به أروع اللوحات، لدلالة قرائية فنية وتشكيلية جمالية، حتى يتوافق المبنى مع المعنى، وتتوازى محبة القلب مع تفكير العقل مع جهد اليد في منظومة روحية عبادية عالية الصلة بين الخطاط وقلمه مداده وورقه وخالقه، قمّة الإخلاص في كتابة كلام رب العزة والجلال ومخافة عظيم السلطان. 

كتابة الوحي العظيم، بين دفّتي كتاب كريم؛ تنزيل من رب العالمين، هدى وبشرى ورشد وحكمة ونذير ورحمة للعالمين إلى يوم الدين، بلسان عربي مبين، كان يتطلّب كتابة هذه الأبهة والعظمة والقداسة فصاحة بصرية، توازي تلك الفصاحة والبلاغة اللغوية التي يشتهر بها العرب دون بقيتهم من الحضارات، وتشهد مكة وسوق عكاظ  تاريخ مبارياتهم وبراعتهم وبلاغتهم اللغوية في أمجادهم والتعبير عن حياتهم، روائع الشعر، وعذب الكلام، أشجن الألحان، أسواق ومهرجانات، شرّحت ووصفت لنا قلب الإنسان العربي ونبضاته، ملاحم شعرية خالدة عبر القرون.

أصبحت البلاغة البصرية الآن مطلوبة عند الخطاط المسلم ومسألة إبداعية، وعملية تجويد تصوير كلام الخالق وعرضه بصريا، مسألة غاية في الجمالية والتعقيد في فهم وتفسير مشاعر المبدعين والمتلقين على حد سواء، شأن الخطاط كاتب وناسخ المصحف الشريف، قلم كاتب الوحي زيد بن ثابت في الرسم مثلا كان كشأن لسان حسان في النظم، وإبي بكر في الصدق، وحياء عثمان، وحزم علي، وسيف عمر، وحرافة معاوية، ومحبة جعفر، ورجاء ابن أبي سرح، وأدب دار الأرقم، وكل المعاني والقيم والمبادئ النبيلة والجميلة. كان هناك اهتمام عظيم عند جميع خلفاء بني أمية في الشام ومصر، ومنافسة شريفة من بني العباس في العراق وشرقها على بهاء الخط العربي وزهاء حروفه وكمال جماله كبدر يضيء بين نجوم في سماء العالمين، ظهر وأبهر كل من يبحث في علوم الجمال واللغات وحياة الإنسان.

بنت أجيال الخطاطون وعلى رأسهم وزيرهم ابن مقلة مولود 272 هـ ببغداد وأخوه الحسن رحمهما الله، هؤلاء الأخوين العبقريين تمت على يديهما هندسة شكل وصورة خط النسخ وخط الجليل وفروعه على الشكل الذي نراه الآن تقريباً، شكّلا بعبقرية يديهما ملامح الحروف، وهندسا حركة الخط في فراغ الصفحة المسطحة، في اتجاهاته الأفقية والرأسية وكيفية رسم الحروف مفردة ومركبة وكلمات وأسطر ونظم ورصف، وما يتبعه من مقاييس وأبعاد وضبط الشكل ضبطا بنيويا حرفا وكلمة وسطرا متسقة نسقا نسقا.

تنبع عبقرية الأخوين وقيمتهما الإبداعية ليس كعرب فقط وإنما عالميا، كانا من أهم أوائل الممارسات والتجارب التطويرية التي تتم هندسيا في نقاشات مرئية كعلم الخرائط والكوروكيات الهندسية، فعلما تشكيل الحروف وفنها البصري «التيبوقرافي» و»البكتوقرافي» ندرّسه في تخصصاتنا كفنون معاصرة وحديثة، ونتجاهل هذا الجهد البشري الغريب في تاريخ العبقرية البشرية.  ألّف ابن مقلة كتابين غاية في الأهمية في تخصصات التصاميم والفنون والهندسة، الكتاب الأول بعنوان (ميزان الخط) موجود في مكتبة العطارين بتونس، والآخر بعنوان (رسالة في الخط والقلم) موجود بدار الكتب المصرية. كان هذا في القرن الثالث الهجري العاشر الميلادي، وهذا السبق والريادة في المجال البصري لابد أن تُحسب لهما رغم عدم وجود حتى جثثهما، كما أن محمد بن مقلة هو من أطلق اسم البديع على خط النسخ وقعّده، وعُرف بخطه الجميل الذي يكتب بقلم مندثر يُدعى الدرج، وكتب مصحفين كاملين بقلمه، حتى وإن قطعوا يمناه كملّها بيسراه، حتى وإن كان وزيرا فسجينا ثم وزيرا، حمل قلمه معه وكتب وجوّد وحسّن وطوّر حيثما وضعه خليفته.

بالإمكان النظر إلى اللوحات الخطية في فن الحرف العربي كحروفية وخطية كمدارس مهمة في الفن الإسلامي بمنظور جمالي، يحقق من خلاله الخط العربي قيم خطية تشكيلية فنية وجمالية مرتبطة بوضع الحروف والكلمات في تكوين بصري مرن متزن متناغم طيّع منسجم متناسق متوحّد ومتنوّع معا.

تلك الخطوط عناصر متبادلة تعمل على تحقيق قيم فنية متكاملة، تمثل الهدف الوظيفي والجمالي الذي يحاول الخطاط الكاتب الفنان الوصول إليه من خلال الأسس الجمالية وفق أسلوبه وذاتيته.

تلك المبادئ الجمالية رغم عموميتها وبرغم ما تختلف المراجع في تسميتها بقيم أو مبادئ أو علوم وفلسفات جمالية، فمنبعها هو اللذة والمتعة والسرور والبهجة التي تحصل للمشاهد عندما يقرأ القطعة الخطية العربية ببصره وبصيرته.

قال أبو الحسن بن عظيمة:

خط ابن مقلة من أرعاه مقلته...........ودت جوارحه لو أنها مُقل

د. عصام عبدالله العسيري

رئيس بيت الخبراء للفنون البصرية والتصاميم الصناعية

كلية التصاميم والفنون/ جامعة جدة

0
قم بتقييم هذا المحتوى

إضافة تعليق جديد

Image CAPTCHA