الإسلام والتسامح الدولي

 

 

يتزامن اليوم الدولي للتسامح مع يوم الاثنين 16 نوفمبر 2020م، والتسامح مبدأ شرعي، وخصلة إسلامية بامتياز، تعامل معها الشرع الحنيف في عباداته وتعاملاته، ولا تكاد تجد عبادة أو تعاملاً في الإسلام إلا وللتسامح منه نصيب.

فأعظم شعيرة في الإسلام وهي الصلاة؛ قد تسامح الشرع فيها لمن كان مريضاً بأن يجمعها مع أختها، أو مسافراً بقصرها وجمعها، وفي الوضوء تسامح الشرع في ترك غسل ما يتضرر منه المسلم، وفي مسح الخف سمح للمسافر والمتضرر مدة ثلاثة أيام، وفي رمضان رخّص للصائم الفطر إذا شق عليه، أو كان في سفر، وفي المأكولات تسامح الشرع في أكل ما حرم على المسلم إذا ما اضطر إليه، والتسامح في جانب العبادات يطول.

وكما جعل الشرع التسامح في أخص عباداته؛ جاء الشرع آمراً به عباده في تعاملاتهم حتى مع من يختلف معهم في الدين، فالبرّ بغير المسلم المسالم؛ مشروع ومأمور به في كتاب ربنا؛ يقول تعالى: ‭}‬لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ‭{‬. 

ونهى سبحانه عن مجادلة غير المسلم إلا بالأحسن، يقول تعالى: ‭}‬وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ‭{‬. و«أحسن» من أفعل التفضيل، يعني بأفضل ما يمكن من الحسنى.

وكما أمر الشرع الحنيف بالحسنى لغير المسلم؛ فقد كفل حرية العبادة لهم دون أذى ولا تعد عليهم، يقول تعالى ‭}‬لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ‭{‬.

وقد امتثلت بلادنا المباركة مبدأ التسامح في أقوالها وأفعالها؛ من عهد مؤسسها رحمه الله، وتوارث ذلك أبناؤه المباركون، ولا يزال التسامح منهجاً رصيناً ومبدأ قويماً على المستويين المحلي والدولي، ولم يكن ذلك مقصوراً على ما كانت المملكة طرفاً فيه، بل تجاوز ذلك إلى الدعوة للتسامح بين الآخرين والإصلاح بينهم، ويشهد لذلك أمثلة عدة ليس أقلها دعوة التسامح، والمصالحة التاريخية التي تبنّاها خادم الحرمين الشريفين، الملك سلمان بن عبدالعزيز، بين إثيوبيا وإريتريا، والتي بفضلها ـ بعد الله ـ انتهت حالة حرب دامت قرابة 20 عاماً، تُوجتّ باتفاق سلام تاريخي في مدينة جدة وبرعاية كريمة من خادم الحرمين الشريفين.

ولا تزال مملكتنا الحكيمة تدعو لمبدأ التسامح، وتعقد اللقاءات والنداوت لذلك، وتعمل على نشر ثقافة التسامح في المجتمع، وقد ظهرت لكل منصف آثارها، وتجلت نتائجها.

 

أ.د. حمود بن إبراهيم السلامة

وكيل عمادة الدراسات العليا 

أمين مجلس عمادة الدراسات العليا

رئيس تحرير مجلة الدراسات الإسلامية بكلية التربية

0
قم بتقييم هذا المحتوى

إضافة تعليق جديد

Image CAPTCHA