خرافة الديتوكس

 

 

«الديتوكس» موضة قديمة حديثة، لاتختفي فترة حتى تظهر من جديد من باب آخر، فما حقيقتها وماذا يقول العلم عنها؟!

يعود اسم الديتوكس إلى المصطلح الإنجليزي «detoxification» وهو مصطلح طبي يعني إزالة سموم معينة من الجسم، مثل الجرعات العالية من بعض الأدوية أو الكحول أو بعض المعادن الزائدة عن مستوياتها الطبيعية في الجسم مثل النحاس والحديد، وذلك باستعمال طرق طبية محددة؛ عن طريق الحُقَن أو الحبوب أو غسيل المعدة أو حتى غسيل الكلى في الحالات المتقدمة.

وليس هذا ما نقصده هنا، بل نقصد المسمى المتعارف عليه لدى العامة وهو تنقية الجسم عامةً والكبد خاصةً من السموم باستعمال وسائل مختلفة، بغرض معالجة بعض الأعراض/الأمراض مثل الصداع أو ألم العضلات، أو للحفاظ على صحة دائمة وبشرة ناصعة، ناهيك عن ادعاءات تخفيض الوزن.

تشمل تلك الوسائل طرقاً بسيطة مثل اتباع حمية مؤقتة لعدة أيام فقط، تعتمد بشكل رئيسي على شرب المياه المحتوية على منقوع أحد الخضروات أو الفواكه مثل الليمون أو النعناع أو الزنجبيل أو الفراولة، ولكنها قد تستعمل وسائل أكثر تعقيداً مثل أجهزة إزالة السموم كجهاز حمّام القدم، أو تنظيف القولون عن طريق المُسَهِّلات والحقن الشرجية، أو باستعمال الساونا وغيرها الكثير من الوسائل التي لم يثبت منها علمياً إلا فعاليتها في تنظيف الجيوب فقط.

ولكن هل حقاً يحتاج جسمنا إلى مساعدة خارجية للتخلص من السموم داخله؟

الحقيقة أن جسمنا يستطيع التخلص من المواد الضارة بطريقة ذاتية، هيأها الخالق داخله، وذلك عن طريق العضو الداخلي الأكبر في أجسامنا وهو الكبد الذي يقوم بتحويل المواد الضارة إلى مكونات ذائبة في الماء، يمكن طرحها خارج الجسم بوسائل مختلفة مثل الكلى «البول» والجهاز الهضمي «البراز» والجلد «التعرق» والرئتين «الزفير»، وقد تتعطل بعض هذه الآليات بفعل تعطل العضو المسؤول عنها، وهنا لن ينفع أي نظام ديتوكس عالمي في إرجاعها لما كانت عليه دون علاج حقيقي قائم على البراهين العلمية. 

وقد وجدت بعض الدراسات أن بعض أنظمة الديتوكس قد تساعد في إنزال الوزن، وهذا ليس بالأمر المستغرب لأن أغلب أنظمة الديتوكس تعتمد بشكل أساسي على السوائل قليلة السعرات الحرارية، فينزل الوزن بشكل سريع ولكنه مؤقت، بسبب فقدان السوائل وليس الدهون، خاصةً مع استعمال مدرات البول أو المُسَهِّلات في بعض أنظمة الديتوكس، ولكن ما إن يتوقف هذا النظام بعد عدة أيام أو أسابيع بالكثير حتى يرتد الجسم صعوداً لوزنه السابق بل قد يزيد، وذلك لأن أنظمة الديتوكس هذه لا تصلح كنمط حياة متكامل ومستمر، بقدر ماهي تجارب مؤقتة، لن يلبث أن يَمّل منها صاحبها بعد فترة.

أما الدراسات التي تحدثت عن فائدتها في طرد السموم فهي لاتتعدى أن تكون بضع دراسات صغيرة الحجم، قصيرة المدى، أُجري أغلبها على حيوانات التجارب بشكل أساسي، وبالتالي لا يمكن الاعتماد عليها كتوصيات معتمدة.

الحقيقة أن أغلب أنظمة الديتوكس تلعب على وتر يحبه الناس وهو الحصول على أفضل النتائج بأسرع الطرق وأقل التكاليف، فلايحتاج الأمر سوى لالتزام مؤقت لعدة أيام أو حتى أسابيع، بغرض الحصول على صحة ممتازة، ولكن ما هكذا تسير الأمور، فالصحة تحتاج التزاماَ دائماً في المأكل والمشرب والنوم والرياضة، وهو أمرٌ ممل لايستطيعه الكل. 

ويأتي السؤال هنا: إذا لم تكن أنظمة الديتوكس مفيدة حقاً، هل هناك ضرر منها؟

إن ميزة أغلب أنظمة الديتوكس الغذائية أنها مؤقتة، وبعضها لايتعدى الأسبوع ولذلك قد لايكون لها أضرار جانبية واضحة، ولكن الاستمرار عليها سيؤدي بلاشك إلى ظهور بعض الآثار الجانبية مثل سوء التغذية، حيث تفتقر لبعض المكونات الغذائية الرئيسية مثل البروتينات والدهون والألياف، وما يتبع ذلك من إحساس بالضعف العام والخمول وضعف التركيز والإمساك، كأي حمية غذائية غير متوازنة. كما أن بعض أنظمة الديتوكس المُعتمِدة على الإكثار من شرب عصائر الخضروات المحتوية على أملاح الأوكسالات مثل السبانخ والشمندر، قد تؤدي إلى تكون حصى الكلى.

أما أنظمة الديتوكس غير الغذائية مثل تلك التي تستعمل مدرات البول والمُسَهِّلات لتنظيف القولون فلها مضاعفاتها التي قد لايُحمد عقباها مثل الإسهال والجفاف، واختلال أملاح الدم، والإضرار بالكلى، وتغيير تركيبة البكتيريا النافعة في القولون.

باختصار أدعوك - عزيزي القارئ - إلى الاستمتاع بمشروب الماء مع الليمون أو النعناع أو حتى عصير الجرجير إن رغبت، ولكن لاتظن ولو للحظة أنه سيطرد السموم من جسدك. كما أدعوك إلى تناول الثمرة نفسها حيث ستحصل منها على كل فوائدها، بدلاً من نقعها في الماء، وشرب الماء المنقوع فحسب.

إن اتباع نظام غذائي متوازن مع الاهتمام بالرياضة والنوم هو ما يساعد جسمك على القيام بمهامه الجبارة في تنقية السموم منه أولاً بأول، أما أنظمة الديتوكس فلا تتعدى أن تكون خرافة كبيرة لتنظيف الجيوب بامتياز.

 

أ. د. أحمد بن علي الصرخي

أستاذ طب الأطفال واستشاري أمراض الجهاز الهضمي

0
قم بتقييم هذا المحتوى

إضافة تعليق جديد

Image CAPTCHA