ابن لعبون يسلط الضوء على جيولوجية المملكة ومعالمها وثرواتها الطبيعية

في محاضرة بعنوان «علوم الأرض تراث غارق ومدفون»
للمملكة جيولوجية متميزة وثروات طبيعية ومعالم سياحية أخّاذة وعمق تاريخي وحضاري
أول امتياز للتنقيب عن النفط في جزيرة العرب مُنح لأحد رجال منطقة فرسان سنة 1910م

 

 

ألقى الأستاذ الدكتور عبدالعزيز بن لعبون محاضرة في محافظة الطائف بالتعاون مع الجمعية الجغرافية السعودية بعنوان «علوم الأرض التراث الغارق والمدفون» بتاريخ 15 ربيع الآخر 1442هـ الموافق 30 نوفمبر 2020م، سلط الضوء خلالها على جيولوجية المملكة بشكل خاص وشبه الجزيرة العربية بشكل عام، وثرواتها الطبيعية من معادن ونفط وغاز، وكذلك ما تزخر به من معالم حضارية كونها مهد الإسلام ومنطلق الحضارات.

 

عمق تاريخي وحضاري

كما ركز البروفيسور ابن لعبون الضوء على العمق التاريخي والحضاري لإنسان جزيرة العرب من خلال المخزون الثري لجبال المملكة من الرسوم الصخرية وكذلك ما احتوى عليه «جبل ابن لعبون» من منشآت حجرية متنوعة، بعد ذلك استعرض معلومات حول مركز «إنقاذ التراث الغارق» وناقش مقترحه بإنشاء مركز لإنقاذ التراث المدفون تحت كثبان الرمال، وذكر أن كل فقرة من العناوين أعلاه تحتاج إلى محاضرة بذاتها.

 

جيولوجية متميزة

وذكر البروفيسور ابن لعبون أن للمملكة جيولوجية متميزة، وثروات طبيعية متنوعة، ومعالم سياحية أخّاذة، واستعرض بدايات العمل الجيولوجي ومنها ما ذكره حول قيام المستشرق والرحالة تشارلز مونتاجو داوتي الذي جاب وسط وشمال غربي جزيرة العرب وفلسطين وسيناء خلال الفترة من نوفمبر 1875 – أغسطس 1878 ودرس آثار المنطقة وجيولوجيتها، ورسمه لأول خريطة جيولوجية لها.

 

بلاطة فتية

وتابع تاريخ جيولوجية جزيرة العرب وعلاقاتها بما حولها وأنها تقع ضمن بلاطة «صفيحة» فتية ضمن البلاطات البنائية المكوّنة للقشرة الأرضية والتي تتكون من عدد من البلاطات، وعرض صورة أقمار صناعية تظهر حدود البلاطة العربية: أخدود البحر الأحمر وخليج عدن «منطقة تباعد» جبال زاجروس وطوروس «منطقة تصادم» خليج العقبة – البحر الميت وبحر العرب صدوع تحولية «منطقة زحزحة جانبية».

 

قارة جوندوانا

وأشار إلى أن البلاطة العربية انفصلت عن البلاطة الأفريقية منذ ملايين السنين وتتحرك بعيدًا عنها بمعدل 1،5 – 2 سم سنويًا، وتصطدم بالبلاطة الإيرانية والتركية، وتتحرك بزحزحة جانبية على امتداد صدوع خليج العقبة – البحر الميت وصدوع بحر العرب الانزلاقية.

وذكر أن قارات النصف الجنوبي للكرة الأرضية كانت ملتصقة ببعضها مكونة قارة واحدة عظيمة تعرف بقارة جوندوانا، وهذه القارة تجزأت إلى كتل تباعدت وكونت قارات اليوم.

 

طبقات الصخور

وحول العلاقة بين المملكة والبلاطة العربية ذكر أن جزيرة العرب تحتل معظم مساحة البلاطة العربية، وأن المملكة تحتل معظم مساحة جزيرة العرب.

وشرح البروفيسور ابن لعبون أن طبقات الصخور هي كأوراق الكتاب في كل ورقة معلومات وسجلات، وأن طبقات صخور الأرض هي سجل عظيم لتاريخ الأرض فهي تحتوي على أحافير لأحياء كانت موجودة وتركت أثرها لتدل على أعمارها وبيئآتها.

 

4 أقاليم جيولوجية

وبيّن البروفيسور ابن لعبون أن الجيولوجيين قسموا جيولوجية المملكة إلى أربعة أقاليم جيولوجية: الدرع العربي، والرف العربي، والبحر الأحمر، والحرات، وأنه أضاف إليها أقليمين هما: أقليم كثبان الرمال وأقليم السباخ، وقام باستعرض الملامح الرئيسية لكل إقليم.

 

ثروات معدنية

استعرض البروفيسور ابن لعبون بدايات البحث عن الثروات المعدنية، وذكر أن هناك حوالي 1000 منجم قديم، وأن المستشرق والرحالة «ريتشارد بيرتون» جاب شمال غربي جزيرة العرب، وتسلل إلى المدينة النبوية ومكة المكرمة سنة 1853، وعاد إلى مدين والساحل بحثًا عن مناجم الذهب في المنطقة وذلك خلال الفترة من مارس إلى ديسمبر 1877م، وقام بإعداد خريطة بالمناجم القديمة، ربما هي الأولى من نوعها.

كما تطرق البروفيسور ابن لعبون إلى دور الثري والسياسي الأمريكي تشارلز روبرت كرين وهو المتعاطف مع العرب وقضاياهم وخاصة القضية الفلسطينية، وأقام مشاريع تنموية في اليمن، وسعى لمقابلة الملك عبدالعزيز، وعندما قابله في شباط 1931م عرض عليه مشاريع للبحث عن المياه والمعادن، وبعد شهرين برّ بوعده عندما أوفد مهندس التعدين كارل تويتشل للقيام بتلك المهمة.

وذكر البروفيسور ابن لعبون أن عمليات الاستكشاف والتنقيب المعدني في المملكة قد أثبتت وجود أكثر من 5076 موقعًا  لمعادن فلزية ولافلزية.

 

ثروات نفطية

وحول النفط وبواكير محاولات اكتشافه ذكر البروفيسور ابن لعبون أن رشوحات النفط والغاز كانت ظاهرة على السطح في عدد من المواقع في جزيرة العرب وما جاورها على سواحل بحر العرب والبحر الأحمر والخليج العربي والبحر الميت وغيرها وفي القصيم في قلب جزيرة العرب.

وفي مفاجآة ذكر البروفيسور ابن لعبون أن أول امتياز للتنقيب عن النفط في جزيرة العرب والشرق العربي كان قد مُنح إلى أحد رجال المنطقة واسمه يوسف عاصم في جزر فرسان سنة 1910م.

وأن أول اتفاقية للتنقيب عن النفط في أقليم الأحساء تم عقدها قبل توحيد المملكة، بين سلطنة نجد وتوابعها والنقابة الشرقية والعامة ممثلة في الميجور البريطاني فرانك هولمز في 20 رمضان 1341هـ الموافق 6 مايو 1923م، حملت كل صفحة في أسفلها توقيع السلطان عبدالعزيز وختمه، وتوقيع الميجور هولمز وختم شركته، وكان هولمز قد حصل على أوائل امتيازات النفط في الخليج العربي وجزيرة العرب.

 

أول شركة نفط وطنية

بعد منح هولمز امتياز التنقيب عن النفط، أنشأ الملك عبدالعزيز رحمه الله أول شركة نفط وطنية مساهمة 30 محرم 1342هـ، وذلك بعد فشل هولمز في التنقيب عن النفط وفُسخ عقد الامتياز، وكانت فاتحة الخير بعد عشر سنوات من منح الامتياز الأول للميجور هولمز وفشله، تم منح الامتياز مرة أخرى لشركة «سوكال الأمريكية»، وقد وقّع الاتفاقية الشيخ عبدالله بن سليمان ممثلاً للمملكة والمحامي للويد هاملتون ممثلًا لشركة ستاندرد أويل كومباني أوف كاليفورنيا «سوكال» في جدة في  29 مايو 1933م، وبعد ثلاثة أشهر باشرت سوكال عمليات الاستكشاف فأرسلت طلائع الجيولوجيين إلى المملكة لمباشرة تلك العمليات.

 

جدراية جيولوجية

وقد أعدّ البروفيسور ابن لعبون جدارية «بوستر» شاملة هي سجل كامل لجيولوجية النفط والغاز في المملكة، تحتوي على: التتابع الطبقي - الوحدات الصخرية -  العمر الجيولوجي - الخصائص الصخرية - الطبقات المولّدة للنفط والغاز - الطبقات الخازنة للنفط والغاز - الطبقات الحابسة للنفط والغاز - أسماء الحقول ومناطقها، وغير ذلك كثير.

 

أغنى بقاع الأرض نفطًا وغازًا

ولفت البروفيسور ابن لعبون الانتباه إلى أن المنطقة المحصورة بين صدوع: وادي الرمة – الأجردي – الباطن، ونظام صدوع المجمعة «صدوع وسط جزيرة العرب»، ووادي نساح – السهباء، تحتضن أغنى بقاع الأرض نفطًا وغازًا، وفيها أكبر حقول النفط والغاز في العالم: 

أكبر حقل على اليابسة: الغوار: المملكة، ثاني أكبر حقل على اليابسة: برقان: الكويت، أكبر حقل مغمور: السفانية-الخفجي: المملكة - المقسومة المغمورة، أكبر حقل غاز: الشمال: قطر، وعشرات الحقول العملاقة على اليابسة والمغمورة، ويقدّر مخزون هذه المنطقة من النفط والغاز بأكثر من 440 بليون برميا.

 

 

ماء يشتعل «الما اللي يولع»!

كما فاجأنا البروفيسور ابن لعبون حول النفط في فرسان، فاجأنا بمعلومات حول الغاز في القصيم، وذكر أن صالح الغضيّة رحمه الله وهو مزارع لاحظ رائحة غريبة تصاحب مياه بئر مزرعته في الهديّة شرق مدينة بريدة، وعندما قرّب منها جذوة نار اشتعلت نارًا، فأطلقوا على تلك الظاهرة «الما اللي يولع»، وهذه الظاهرة كانت منتشرة في المزارع شرق وشمال شرق مدينة بريدة بالقصيم.

 

تقنية قصيمية

وتطرق البروفيسور ابن لعبون إلى شرح تقنية فصل الغاز عن الماء، وأنها تقنية قصيمية صرفة «صنع في الهديّة»، فقد بادر صالح الغضيّة بتصميم وتنفيذ شبكة لفصل الغاز عن الماء للاستفادة منه، وقام بتمديد شبكة من الأنابيب أوصلها إلى مرافق مزرعته وبيته، واستغل الغاز في الإنارة والطبخ وغير ذلك، ومحاكاة لنيران آبار النفط المشتعلة «وقت ذاك» في المنطقة الشرقية مدّ انبوبًا مشتعلاً فوق المكان.

وقام الغضية بتركيب مثل تلك الشبكة في عدد من مزارع الهديّة، كما قام الأمير فهد الفيصل الفرحان بتركيب شبكة أكثر تطورًا في مزرعته بالبطين في القصيم.

 

معالم سياحية

تعمل عوامل التجوية عملها في الصخور وتساعدها طبيعة الصخور على تكوين تشكيلات رائعة بديعة تلفت انتباه الإنسان، وق استعرض البروفيسور ابن لعبون في محاضرته عدداً من الأمثلة على ذلك ومنها: كتلة صخر جرانيتية عظيمة تنتصب في وادي «أبا الحيران» في منطقة حائل تشبه الشخص، وأسماها أهل المنطقة «أبو الهول»، وكذلك تنتصب أقواس مفتوحة ومكونة من أحجار الرمل غير بعيد عن بلدة عردة، وتعرف باسم «الخرب»، وأخيرًا جبل طويق الذي أطلق عليه البروفيسور ابن لعبون اسم «طويق الهمّة»، حافّة تمتد لمسافة حوالي 1200 كيلومتر، وهو بمثابة العمود الفقري لجزيرة العرب، يتكون من صخور جيرية مكونة من شعاب مرجانية.

 

الختام

وفي الختام ذكر البروفيسور عبدالعزيز بن لعبون أنه قبل أكثر من عشرين عامًا، عندما كان رئيسًا لتحرير نشرة أرض التي تصدرها الجمعية السعودية لعلوم الأرض، طالب بكتابة تاريخ التعدين في المملكة وطالب بإنشاء متاحف للمناجم، وتوجه إلى جمهور الحاضرين والحاضرات بقوله: يسعدني سماع رأيكم، تعقيبكم، استدراككم، الإجابة على أسئلتكم وتلبية طلباتكم العلمية، وقدّم الشكر والتقدير لجميع الحضور وللجمعية الجغرافية السعودية لكريم دعوتها وترتيبها لهذه المحاضرة.

0
قم بتقييم هذا المحتوى

إضافة تعليق جديد

Image CAPTCHA