«الكتابة بالوثب والقفز» تجربة تستحق البحث

 

 

يقول المفكر المغربى عبدالسلام بن عبدالعالى في معرض مقدمة كتابه الذي يحمل ذات العنوان المأخوذ - كما أشار - عن كيليطو الذي اقتبسه بدوره عن مونتين: إن الكتابة بهذا النمط كانت محاولة منه للتغلب على عثرات الكتابة الأدبية بالمعنى التقليدي، والتي تتميز بسبر أغوار موضوع ما بين دفتي كتاب ذي مقدمة ونهاية وخاتمة».

وأردف أنها نمط مختلف للهروب من الملل الذي قد يصيب القارىء والمؤلف على حد سواء، وإن كان لا يعزو ذلك لأسباب سيكلوجية بحتة، لكنه يمكن أن يتخطى ذلك إلى عوامل ترتبط بمنهجية مغايرة يمكن أن توصف بمنهجية الحلقات المتصلة، وهنا مربط الفرس.

فكل حلقة بحكم ذاتها حالة موضوعية متفردة تسعى كي تتخلى عن ذلك، بل وتفقد هذا التفرد و«الانعزالية» لصالح حالة أشمل ذات خصوصية مغايرة وذات سمات مختلفة لتُحدث في النهاية ذلك التواصل الحلقي الذي لا ينفصل عن باقي الحلقات الأخرى.

بمعنى أبسط أسماه «أسلوب الاستطراد» وهو أسلوب شهير في النقد الأدبي، لم يكن عند الكثيرين أمرا محمودا، بل نظر إليه البعض كونه نوعاً من أنواع العجز والإفلاس الأدبي، وكانت المفاجأة من مستلات كتابات الجاحظ، واللافت للنظر أيضا بعض مفكري الغرب أمثال رولان بارت في مؤلفه Barthes par Barthes.

هذا النمط من الكتابة لا يفرض عليك أيها القارئ ذات الشعور النمطي الممتد منذ مطالعتك لكتاب ما، ولكنه حالة فريدة متحركة تتحرك معك عبر الفصول والأجزاء، دعني أقول إنه يجعل منك ذلك القارئ الممسك بالمعنى.

وفي معرض الاستيضاح يطرح بن عبدالعالى الفارق بين رياضة الملاكمة ورياضة الكاتش؛ لتبيان الفارق بين الكتابة التقليدية والكتابة بالوثب والقفز؛ فالملاكمة عبارة عن حكاية تبنى على مشهد المتابعين، يعيشون تفاصيلها ويتوقعون نتائجها ويستشرفون المستقبل، أما رياضة الكاتش فليس المهم تتبع الحالة أو التفاصيل لكن العبرة بالنهاية أو المعنى.

في النهاية لا يمكن الاستغناء عن النمط التقليدي في الكتابة ولكن من الممكن أن يحرر نمط «الوثب والقفز» الكثيرين من القيود ويترك لحركة الإبداع الأدبي مجالاً للانطلاق نحو اللانمطية، لكن السؤال الذى يطرح نفسه هنا هل سيقبل القارئ ذلك النمط؟ أم سيعتبره نوعاً من الإفلاس؟ وكيف ينظر له الكثير من النقاد؟ وهل يمكن أن ينتقل إلى ساحات وميادين البحث الأكاديمى؟!

 

د. نهاد أحمد مكرم

جامعة الملك سعود

0
قم بتقييم هذا المحتوى

إضافة تعليق جديد

Image CAPTCHA