القيادة بالمشاعر

هو مصطلح يقصد به تفعيل وإدخال المفهوم النفسي السيكولوجي «psychology» في بيئة العمل، كما ذكر خبير التنمية البشرية الدكتور راكان الراوي، بمعنى أن التعامل في بيئة العمل بين الأعلى والأدنى والرئيس والمرؤوس يعتمد على مبدأ التعامل الإنساني، والذي هو مرتبط بشكل مباشر بمفهوم القيادة بالمشاعر، وهذا المدخل يعمل جنباً إلى جنب مع المداخل المادية الأخرى.

وربما يأتي سؤال من المدراء والرؤساء: أين ذهب موضوع الراتب والمكافآت؟!

والجواب أن هذين المدخلين مكملان لبعضهما ولايوجد منهما ما يحل مكان الآخر، لكن هما يسيران في خطين متوازيين أحدهما يخص القيادة بالمشاعر والتعامل الإنساني، وإلى جانبه خط آخر مرتبط بالأمور المادية الأخرى، بمعنى أنه لا يوجد خط يلغي الخط الآخر، فالعلاقة بينهما علاقة تكاملية وليست تعويضية.

الجانب الأساسي في مفهوم القيادة بالمشاعر هو توحيد الأشخاص الموجودين في بيئة العمل، بمعنى أن الأعلى والأدنى في المرتبة يعملون كفريق واحد، لذلك في برامج كثيرة في فرق ومجموعات العمل يلزمنا التركيز دائماً على أمر مهم وهو روح الفريق، وهذا المدخل يؤسس مبدأ روح الفريق والعمل التشاركي في بيئة العمل.

وهنا ربما يأتي سؤال آخر مفاده: هل يمكن أن يؤدي مفهوم القيادة بالمشاعر للإهمال؟

هنا يجب توضيح مسألة مهمة وهي أن المدير أو الرئيس لا يطبق مبدأ اللين والرفق المستمر في تعامله مع المرؤوسين، ولكن يمكن أن يكون أحيانا حازماً، وأحياناً ليناً، والأهم أن يبتعد عن القسوة، لذلك دائماً نقول أن القسوة شيء، والحزم شيء آخر، واللين مطلوب للقائد ويلزمه أن يكون ليناً رفيقاً ويبتعد عن الضعف، وكما في الحديث الشريف قوله صلى الله عليه وسلم «ما كان الرفق في شيء إلا زانه وما نزع من شيء إلا شانه» أو كما قال عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم. 

إذاً القيادة بالمشاعر مفهوم يمزج بين اللين من جهة والحزم من جهة أخرى، وإذا تم ذلك فلن يكون هناك إهمال من قبل الموظف.

كذلك يمكن طرح سؤال آخر: هل هذا المفهوم يُكتسب كمهارة أو هو من ضمن صفات القائد أو المدير أو الرئيس؟

هذا السؤال يقودنا لمسألة جدلية قديمة حول «هل القائد يولد أم يصنع» مع الأخذ بالاعتبار أن هناك سمات وصفات وخصائص يمكن أن تولد مع الشخص ومن ثم تنمى، ولكن يبقى الميل الأساسي، وأنا أتفق مع وجهة نظر الدكتور راكان الراوي أن القائد يمكن أن يصنع من خلال تجارب الحياة التي يمر بها، سواءً على المستوى الشخصي، أو على المستوى المهني والوظيفي، بالإضافة إلى موضوع البرامج والدورات التدريبية التي يمكن أن يخضع لها، وقراءة الكتب، ومتابعة بعض المقاطع الموجودة على النت أو اليوتيوب وما إلى ذلك، كل هذه مصادر للتعلم، سواء كانت حديثة أو نمطية تقليدية، يمكن للقائد أن يتعلمها، ويتعلم هذا المدخل وهو المدخل الإنساني في التعامل مع الآخرين.

من ضمن أمثلة القيادة بالمشاعر، إلقاء تحية الصباح وتحية المساء مع الابتسامة والانبساط في عضلات الوجه، مصافحة الرئيس للمرؤوسين «طبعاً في غير الظروف الاستثنائية مثل جائحة كورونا وغيرها»، الدردشة مع المرؤوسين في أحوالهم، وليس بالضرورة حل مشاكلهم الشخصية إذا كان لديهم مشاكل، لكن مجرد الإنصات والاستماع والإحساس والملاحظة، هذه كلها بحد ذاتها لدى أغلب المرؤوسين لاتقدر بثمن.

كذلك كلمة «شكراً» عند تأدية المرؤوس لعمل معين أو إنجازه، كذلك من الأمثلة المهمة الوعود، حيث نقول للرئيس أو المدير أو القائد دائماً: « أن لا تعد بشيء، خير من أن تعد ثم لا تفي بوعدك». من الأمثلة المهمة كذلك إشاعة جو من العدالة في التعامل مع الآخرين والبعد عن التعصب بكل أنواعه.

وهناك أمثلة أخرى عديدة تخصع الشخصية القائد والظزوف المحيطة، وكل هذه الأمور بسيطة ولاتكلف القائد أو المدير أو الرئيس شيئاً ولكن لها أثر كبير في فن التأثير على المرؤوسين وبالتالي الأثر الإيجابي بالولاء والانتماء للمؤسسة بشكل عام.

 

د. ناصر برجس بن مطلب

عضو الجمعية السعودية للعلوم التربوية والنفسية

0
قم بتقييم هذا المحتوى

إضافة تعليق جديد

التحقق البصري
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA